فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 4557

إذا تقرر ذلك يحسن بي أن ألم بموقف الصحابة من النص، وهو معلوم عند العلماء المعتبرين، فإنهم لم يكونوا يتركون النص إلى رأي أو مجرد مصلحة، بل كانوا يتشاورون ويردون المسائل إلى النصوص.. فاستدلالهم لا يخرج عن العمل بالنص أو الحمل عليه، وإذا استنبطوا منه معنى واحتجوا به فلا يلزم من ذلك أن يصرحوا بالطريق الذي استنبطوه به، لكن المقطوع به أنهم لم يكونوا يستنبطون الأحكام بمجرد الرأي، وقد سبق ذكر إجماعهم على ذم الرأي الذي لا دليل عليه (208) . فقول صاحب تعليل الأحكام «ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن» مخالف للإجماع المنقول عنهم، إذ كيف يذم الرأي من لا يلتفت إلى الأصول أو لم تكن ويتبع «وجوه الرأى» على حد قول المؤلف!

وبسبب إتباعه هذا الوهم المخالف للإجماع أخذ يطلق المصلحة من ضوابطها، ويحاول الاستدلال بها دون أن يقيدها بكونها مصلحة شرعية لا تعارض مقصود الشارع، ومقصوده يعرف من النص أو الإجماع.

وبسبب هذا الوهم أيضًا نجد عباراته مضطربة فبينما هو ساع في تقرير مسلكه- الذي ليس له فيه وليّ إلا الطوفي (209) - تجده يضطرب أما سيل الحقائق العلمية التي تثبت أن المصلحة المعارضة للنص مردودة وملغاة، وأن ذلك هو منهج الصحابة والأئمة (210) .

ومن المواضع التي اضطرب فيها: قوله: «... إن المصالح التي عمل السلف بها في مقابلة النصوص لم تبلغ رتبة الضرورة، وأن العمل بالمصلحة في مقابلة النص ليس تركًا للنص بالرأى في الواقع، وإنما ترك للنص بالنص بل بالنصوص الكثيرة..» (211) فهو هنا يقرر أن السلف لم يقدموا المصلحة على النص، وأنهم اعتبروا المصلحة التي شهدت لها نصوص كثيرة، فالمقابلة ليست بين مصلحة مجردة ونص، بل بين مجموعة نصوص ونص، ويستوي أن يكون هذا رأيًا للمؤلف، أو نقلًا عن السلف فإنه قد أقره كما هو ظاهر كلامه، ويحاول أن يجمع بين مذهب الصحابة ومذهب التابعين، فيقول: «... وبعد: فتلك طريقة هؤلاء الفقهاء السابقين في التعليل، وهو فيها لم يخرجوا عن طريقة صحابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: عللوا أحكام الله رغم أنف المنكرين (212) وحكموا المصلحة في التشريع، ولكن في دائرة المعتدلين، فلم يجمدوا على النصوص تعبدًا بألفاظها، بل فتشوا وأخرجوا كنوزًا ثمينة من وادي معانيها، وزنوا الأمور بما يترتب عليها من صلاح أو فساد فأباحوا الأول، ومنعوا من الثاني، جعلوا عمادهم في ذلك التعليل المصلحة، ولم يسيروا وراء الأوصاف في كل شيء كما فعل الفقهاء والأصوليون المتأخرون، ومع هذا فلم يندفعوا وراء كل ما يظن أنه مصلحة، وإن صادم قاطعًا في شرع الله، أو قاعدة من قواعد الدين، بل رأيناهم في غير موطن يردون هذا المصلحة ويشددون النكير على من رام العمل بها» (213) .

والذي أقوله هنا: أنه ما دام أن الصحابة والتابعين لا يجرون وراء الأوصاف في كل شيء، ولم يندفعوا وراء كل ما يظن أنه مصلحة وإن صادم قاطعًا من الشرع، أو نافى قاعدة من قواعده، إذا كان الأمر على هذا الحال فما بال المؤلف يقول عنهم مقالته السابقة؟ وحاصلها أنهم لا يتبعون الأوصاف- هكذا على الإطلاق- بل يتبعون وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت قواطع أو قواعد أو لم تكن!!!

ثم إذا تركنا هذا الأمر إلى غيره، فلماذا ينفر من اشتراط الفقهاء والأصوليين شهادة الشارع للمصلحة حتى تكون معتبرة وإلا فهي ملغاة، لماذا ينفر من هذا، وهو يحكي مذهب الصحابة والتابعين بأنهم ما كانوا يقرون مصلحة تصادم قاطعًا أو قاعدة..؟!

والدليل على نفوره منم الاشتراط وقوعه في ضده أنه نقل مذاهب الأصوليين وانتصر لمذهب الطوفي... وذكر هذه المذاهب كما يلي:

(أ) أن المصلحة المعتبرة هي التي لها أصل معين، ونسبه للقاضي.

(ب) أن المصلحة المعتبرة هي المشابهة للمصالح المتفق عليها أو المنصوص عليها، ونسبه للإمام الشافعي وجمهور الحنفية.

(ج) أن المصلحة المعتبرة هي التي لا تصادم نصًا ولا إجماعًا تحققت المشابهة أم لم تتحقق، قربت من مورد النصوص أو بعدت، ونسبه للإمام مالك.

(د) المصلحة معتبرة على الإطلاق مرسلة أو غير مرسلة في المعاملات، وما شابهها حتى وإن عارضت نصًا أو إجماعًا متى ما كانت راجحة!!!

قَالَ: « وهناك مذهب رابع خلاصته أن المصالح يعمل بها مطلقًا مرسلة أو غير مرسلة، ويعني بها التي عارضت نصًا أو إجماعًا متى كانت راجحة لكن في صنف من الأحكام «المعاملات وما شابهها» ، أما العبادات والمقدرات فلا وزن للمصلحة فيها وهو رأي نجم الدين الطوفي الحنبلي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولًا، ولكن فتواهم تؤيد ذلك عملًا » (214) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت