فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد حاول مناقشة الأصوليين- ما عدا رأى الطوفي فإنه مر عليه سريعًا وبنى له مسألة أخرى نصره بها -كما يظن (215) - وليس المقصود هنا مناقشته فيما نسبه إلى الأصوليين فمثل هذه البحوث لا تكفي فيها ورقيات كما صنع هو (216) ، وكذلك لا تكفي فيها ما قد أسجله هنا من ملاحظات، ذلك أن نسبة المذاهب إلى الأصوليين تحتاج إلى بحوث متخصصة في هذا الموضوع، وأكتفي هنا بالرد عليه فيما نسبه إلى فقهاء الصحابة- كما صنعت سابقًا- مع بيان اضطرابه وتفنيد خطئه في تفريقه بين مذهب الصحابة والأصوليين مع مناقشته خاصة فيما نسبه إلى الشَّاطِبي وحاول الرد عليه انتصارًا للطوفي.
أما نسبة مذاهب الأصوليين إلى كتبهم وتحرير موقفهم من المصلحة فذلك لا يحتاج مني إلى بحث- فلقد حرر تحريرًا حسنًا، وأكتفي بما حرره أستاذي الدكتور حسين حامد حسان وأبني عليه (217) . ومن ذلك قوله: «كل ضروب الاجتهاد المستندة إلى أصل اعتبار المصالح في الأحكام تعتبر استدلالًا بالنصوص الشرعية وليس فيها عمل بمصلحة مجردة ولا ترك لنص من نصوص الشريعة» (218) .
ويقول: وقد « أبطلنا دعوى أن مالكًا يقدم رعاية المصلحة على النص أو يترك بها خبر الآحاد، وأثبتنا أن جميع الفتاوى التي نسبت إليه واتخذت دليلًا على هذه الدعوى غير مفيدة في هذا المطلوب وبينا أسباب ذلك» (219) .
« أثبتنا أن المصلحة التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار مصلحة مردودة باتفاق... وهي المصلحة الغريبة التي حكى الغزالي والشَّاطِبي الإجماع على عدم الأخذ بها.. وقلنا أن المصلحة التي يقول بها الطوفي لا تختلف عن هذا النوع من المصالح المردودة إلا في الطوفي يقدمها على النص والإجماع » (220) .
وقد حاول محمد شلبي الانتصار له - مع أن الطوفي إنما اتبع المصالح المردودة وحاول تقديمها على النص والإجماع، وقد أثبت العلماء المعتبرون قديمًا وحديثًا مخالفته لسائر الأئمة وشذوذه عن الإجماع.
ومن عجب أن ترى صاحب تعليل الأحكام يحاول أن يسند رأي الطوفي
بقوله: «... وهو رأي نجم الدين الطوفي الحنبلي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولًا، ولكن فتواهم تؤيد ذلك عملًا» (221) .
وأنت ترى أنه لم يصرح بأسمائهم ولا بفتاويهم مع أنه كثيرًا ما مجد بحثه هذا واعتبره تجديدًا في علم الأصول ودعى فيه إلى مراجعة ما كتبه الأصوليون بعد أن وصففهم بما يكره وستأتي الإشارة إلى ذلك..
فأين هذه الجماعة من العلماء الذين وافقوا الطوفي أهي جماعة الصحابة التي ينسب إلى فقهائها معارضة الرسول ومخالفته، والتي ينسب إلى فقهائها تبديل بعض الأحكام بسبب اتباع المصالح!!!
أم أن هذه الجماعة من الأصوليين. وقد زعم الطوفي بأن رأيه الذي قَالَ به لم يسبقه إليه أحد قبله!!
أمَّا بعد الطوفي فلم بلق هذا الرأي إلا النقد والرد وبيان أن صاحبه خرق الإجماع وتولى غير سبيل المؤمنين، حتى أن بعض الباحثين في هذا العصر فندوه وبينوا أنه رأي ساقط لا عبرة به، وقد أشرت إلى ذلك من قبل (222) .
ثم جاء آخرون فأعجبهم هذا الشذوذ عن الإجماع وظنوه علمًا معتبرًا فاتبعوه- وما علموا أن فائدة الإجماع هو القطع في المسألة فلا تعد تحتاج إلى بحث وخاصة وقد تقرر هذا الإجماع في قرون متطاولة- فلما تبعوه أخذوا ينتصرون له مزينين له بشبه متكاثرة، بل ذهبوا إلى أكثر مما ذهب إليه الطوفي، فإنه شهد على نفسه بنفسه أنه لم يسبق إلى هذا الرأي، ومعني هذا أنك إذا بحثت لِتَجِد من ينصره قبله فلن تجد أحدًا.
ومع ذلك فقد حاول بعض الباحثين نصرته ببعض النقول والتطبيقات التي سبقت الطوفي - كما صنع صاحب رسالة تعليل الأحكام- فإنه قَالَ بتبدل الأحكام في المعاملات وما شابهها؛ لأنها بزعمه تتبع المصلحة، وأن ذلك هو إجماع الصحابة، مع أن هذا هو رأي الطوفي- الذي يزعم أنه لم يسبق له، فأين تجد عليه إجماعًا.
وقد تتبعت أبرز تطبيقاته (223) وأثبت أنه إنما يتعلق بشبه لا بدليل وأن الصحابة لم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يتبعوا مجرد المصلحة، ووجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، فإذا أضفت هذا مع ما قرره الباحثون من أن أحدًا من الأئمة لا يقدم رعاية المصلحة على النص وبقي الطوفي على زعمه وخروجه عن الإجماع واتباعه غير سبيل المؤمنين وسقطت محاولة الشلبي وغيره من الباحثين الذين بذلوا جهدًا جبارًا لإحياء سقطة الطوفي وجعلها (224) دينًا يتبع، يريد صاحب رسالة التعليل أن يستمسك به ويخالف عليه علماء الأصول المعتبرين ) .
( المرجع: رسالة"الثبات والشمول"للدكتور عابد السفياني ،( ص 448-489) .
الشبهة (7) : دعوتهم لتطوير ( تحريف ) أصول الفقه
من أولى المسائل في أصول الفقه التي تثير العصرانية حولها الغبار هذه القضية:
هل بالإمكان حدوث تطور جديد في أصول الفقه؟