فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 4557

لعل (إقبال) مِنْ أوائل مَنْ أثاروا هذه المسألة، وناقش في كتابه (تجديد الفكر الديني في الإسلام) الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والرأي عنده: «إن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام، ومن تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة، هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ » . (224)

وتبنت الدعوة إلى الاجتهاد في أصول الفقه مجلة (المسلم المعاصر) ، إذ كتب مؤسسها د. جمال الدين عطية في كلمة التحرير لأول عدد صدر منها واصفًا المجلة بأنها: (مجلة الاجتهاد) ، وأنها «.. تنطلق من ضرورة الاجتهاد، وتتخذه طريقًا فكريًّا، ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه، بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه» . (225) واشتملت المجلة في نفس العدد والأعداد التالية على بعض المقالات عن هذا الموضوع . (226)

ويردد هذه الدعوى آخرون، منهم الدكتور أحمد كمال أبو المجد، إذ كتب يقول:

«والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون ليس اجتهادًا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم، فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلبًا لحكم الإسلام فيها أفضى بحثهم إلى وقفة مع الأصول.. وليس ما تردده الكثرة الغالبة من المعاصرين من امتناع الاجتهاد في الأصول إلا التزامًا بما لا يلزم، وتقصيرًا في بذل الجهد بحثًا عما ينفع الناس » . (227)

وحتى لا يضيع الفكر في متاهات من التعميمات، فإن الخطوة الأولى لتلمس الحقيقة في هذا الموضوع الخطير تبدأ بتحديد ما المقصود بالاجتهاد في أصول الفقه.

قد يكون المقصود من ذلك عدة أمور نجملها فيما يلي:

(1) استحداث قواعد جديدة في أصول الفقه لم تكن معروفة من قبل ولم يصل إليها السابقون، وهذا هو المعنى المتبادر عادة من كلمة اجتهاد بمعناها الإصلاحي؛ إذ أن الاجتهاد في الفقه عادة ينصرف إلى استنباط أحكام جديدة للحوادث الطارئة.

فإذا كان هو المقصود من الاجتهاد في أصول الفقه، فأين هذه القواعد الجديدة المستحدثة؟ فبدلًا من إثارة الضجيج وضرب الطبول عن إمكان الاجتهاد أو عدم إمكانه، فمن كانت عنده قواعد جديدة فليأتِ بها وليطلع العالم عليها، وحينئذ فقط نتحقق إن كانت هي بحق قواعد علمية تقوم على الدليل والبرهان، أم أنها محض تخرصات وأهواء شخصية. وفيما أعلم لا أحد قدم قواعد جديدة.

(2) وقد يكون المقصود من الاجتهاد عدم التقليد في أصول الفقه، بمعنى أنه لا تقبل الآراء فيه إلا بحجة ودليل، حتى لو أثبتها الأوائل، ويظل الباب مفتوحًا للترجيح بين الآراء المتنازع فيها والمختلف فيها.

ولا ريب أن هذا معنى صحيح، وهل يخطر ببال كل ذي عقل أن الاستمساك بتقليد آراء الرجال والإذعان لها دون حجة ودليل أمر محمود؟ لا أظن أحدًا من الأوائل دعا إلى ذلك ولا يرتضيه أحد من المعاصرين. وهذه هي كتب أصول الفقه قديمها وحديثها مشحونة بسوق الآراء والأدلة عليها والترجيح بينها.

(3) وقد يكون المقصود بالاجتهاد توسيع وتفصيل بعض القواعد التي بحثها علم أصول الفقه. وقد أوضح هذا المعنى أحد الذين تناولوا هذا الموضوع فقال: «.. وهناك مسائل تتعلق بالأصول تحتاج إلى مزيد إيضاح وتفصيل، من ذلك تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية.. ومن ذلك الإجماع إذا كان مبنيًّا على أمر مصلحي زمني قابل للتغير والتطور بتغير الزمان والمكان والحال.. وهذا يجر إلى قضية أخرى؛ وهي قضية الأحكام أو تغير الفتوى بتغير الأزمان، وما ينبغي أن يوضع لها من حدود وضوابط.. إلى غير ذلك من القضايا والموضوعات التي يكشف عنها طول البحث والنظر في الفقه وأصوله، وتطبيقاته في هذا العصر.. وهذا كله يفسح الميدان لدعاة الاجتهاد ولو كان في أصول الفقه ذاتها » . (228)

ولما كانت القضايا المثارة تحت هذا المعنى للاجتهاد في أصول الفقه، تستحق مزيدًا من الفحص والتمعن حتى تسفر الحقيقة عن وجهها، ويتضح ما إذا كانت الدعوى للاجتهاد صادقة أم كاذبة، كان لا بد من إخضاع هذه القضايا للبحث، فإذا ظهر أن هناك اجتهادًا معاصرًا في هذه المسائل، كان الاجتهاد في أصول الفقه أمرًا واقعًا، وإن ظهر أن دعوى الاجتهاد في هذه الأمور لا تقوم على أساس، اتضح أن إمكان الاجتهاد في أصول الفقه لا يعدوا أن يكون إمكانًا نظريًّا بحتًا حتى الآن.

( المرجع: مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 239-242) .

وقال الدكتور محمود الطحان رادًا على الترابي الذي يروج لهذه الدعوة:

قول الترابي: «فَيُمْكِن أنْ نَّرُد إلى الجماعة المسلِمة حقَّها الذي كان قَدْ باشَرَهُ عنها مُمَثِّلوها الفقهاء، وهو سُلْطَة الإجماع، ويُمْكِن بذلك أنْ تَتَغَيَّر أُصول الفِقْهِ والأحكام، ويُصْبِح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصْلَيْن مِن أُصولِ الأحكام في الإسلام» . (229)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت