فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 4557

ويقول أيضًا: « فإذَنْ يُمْكِن أنْ نَحْتَكِم إلى الرَّأْيِ العام المسلِم، ونَطْمَئِنَّ إلى سلامة فِطْرَةِ المسلمين، حتى ولو كانوا جُهَّالًا في أنْ يَضْبِطُوا مدَى الاختلاف ومَجال التفرُّق » . (230)

ويقول أيضًا: «.. ويدور بين الناس الجدَلُ والنِّقاش حتى يَنْتَهِي في آخِر الأمْر إلى حسْم القضية، أو يَتَبَلْوَر رأْىٌ عامُّ؛ أو قرارٌ يُجْمِع عليه المسلمون، أو يُرَجِّحُه جمُهورهم وسَوادُهم الأعظم» . (331)

هكذا صار الإجماع- بعد تطويره وتجديده - عند الدكتور التُّرابي، جَدَلًا ونِقاشًا بين الناس - كلِّ الناس- وتَصْوِيتًا في نهاية الأمر، فما صَوَّتَ له جمهورهم وسَوادُهم الأعظم كان حُكْمًا لازمًا يَنْزِل عليه كلُّ المسلمين!.

سبحان الله! متى كان عامَّة الناس يُرجَعُ إليهم في الأمور العلمية الدقيقة التي تحتاج إلى بحث؟ وهل جَدَلُ العامة ونِقاشُهم مَبْنِيٌّ على أصولٍ علميةٍ، أم هُوَ لَغَطٌ وسَفسَطةٌ، كلٌّ يتكَلَّم كما يَحْلُو له, ألَيْسَت هذه غَوْغائية؟ أليست هذه الطريقة التي اكْتَوَينا بِنارِها مِن بَعْضِ الحكَّام والدِّكْتاتورِيِّين الظالمين؟ فإنه كلما أراد شيئًا أتَوْا بِمَشْروعٍ، وطرَحُوه لِلْتَّصْويتِ عليه مِن قِبَلِ عامَّة الناس، أو الشعب، ليأخذوا عليه الموافقة، ثم يُصبح قانونًا مُلْزِمًا، حتى أنَّ بعض الحكام أراد أن يَحْمِيَ فُجُورَه وفُجُورَ أهْلِه، فأخْرَجَ قانونًا سَمَّاه قانون «العَيبْ» وطَرَحه للتصويت عليه، فَنَال مُوافَقَة السَّوادِ الأعظم، وصار القانون مُلْزِمًا للمسلمين في ذلك القُطْر.

ثم إنَّ التُّرابي مِن أيْنَ تَخيَّلَ أنَّ الإجماع كان أولًا حقًا لجميع أفراد الشعب، وأنهم استعملوه في عصور الإسلام الأُوْلَى، ثم باشَر هذا الحق نيابةً عنهم- الفُقَهاءُ في عصور الجهْل والانْحِطاط، ثُم الآن يُريد أنْ يُعيد هذا الحق إلى الشعب، لأن الجهل زال، وصار الناس بفضل دعْوَتِه مُتَعَلِّمين مُتَنَوِّرين! مِن أينَ جاء بِهذا السَّرْد التاريخيِّ لِواقِع الإجماع؟ أين وَجَدَه؟ وفي أيِّ مَصْدَرٍ قرَأَهُ؟ أهذا يَجُوز، يَتَخَيَّل الأمور تَخَيُّلًا، ثم يُلْقِيها على الناس على شَكْل مُحَاضراتٍ، ويَنْشُرُها على شكل رسائلَ لدَعوةٍ تجديديةٍ للإسلام!

مع أنَّ الإجماع الشرعي عند علماء أصول الفقه الإسلامي منذ نشأته في القرون الثلاثة الأولى إلى يومنا هذا له تعريفٌ واحدٌ مُؤَّداهُ: اتِّفاق علماء عصرٍ واحدٍ على حُكمٍ شرعيٍ واحدٍ (232) فقد عرَّفَه البَيْضاوِيُّ في مناهِج الوُصول بأنه: «اتفاق أهْل الحل والعَقْدِ مِن أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم على أمْرٍ من الأمور» (233) . وعرَّفه تاجُ الدِّين السُّبْكي في جَمْع الجوامع بأنه: «اتفاق مُجْتَهدِي الأمة بعد وفاة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم في عصرٍ على أيِّ أمرٍ كان» (234) ، وعرَّفه الخَطيب البَغْداديُّ في"الفقيه والمتفقه"بأنه «إجماع أهل الاجتهاد في عصر، فقال: «إجماع أهل الاجتهاد في كل عصرٍ حُجَةٌ مِن حُجَجِ الشرع » (235) .

فأين إجماع الشعب الذي يَدَّعيه التُّرابي ؟

2-وأما أمرُ الحاكم - أو وَلِي الأمر - فَقَدِ اهْتَمَّ به التُّرابي كثيرًا، وأوْلاهُ مِن العِناية ما يَلْفِت النَّظَر، وتَهَجَّم على الفقهاء والأصوليين القُدامَى بِحُجَة أنهم أغْفَلوا حقَّ الحاكِم في التشريع وإصدار الأحكام، ودعا بإصرارٍ إلى إعادة هذا الحق إليهم فقال: بعد أنْ سَرَدَ مُقَدِمةً طويلةً كلُّها مُغالَطاتٌ, وأشياءُ تَخَيَّلها؛مالَها مِن واقِعِ التاريخ في شيءٍ بالنِّسبة للإجماع وحق الحاكم - « فإذا حالت» (236) تلك الظروف، وقامت فِينا مَثَلًا حكوماتٌ ثَوْرِيةٌ ينبغي أن يُكَيَّفَ عِلْمُ الأصول بما يَرُدُّ إلى تلك الحكومات حقها في إنشاء الأحكام بأمر الحاكم وَقْفًا على مُوافَقَة الكِتابِ والسُّنَّة» (237) .

وقد غَفَل الدكتور الترابي أو تَغَافَل عن مَوْضوع حقِّ الخليفةِ أوْ وَلِيّ الأمر المسلم في تَبَنِّي الأحكام الشرعية- سواءَ كانت من اجتهاده ,إذا كان مجتهدًا، أو من اجتهاد أحد المجتهدين المُعْتَبَرِين, إن لم يَكُنْ مجتهدا-الذي بَحَثه علماء أصول الفقه، وذكروه في مُصَنَّفَاتهم،ولم يُغْفِلوه ولم يُعَطِّلوه كما ادَّعَى

لكن ينبغي التفريق بين تَبَنِّي ولي الأمر للأحكام الشرعية والأمرِ بتنفيذِها، وبين إنشاء الأحكام بأمرِ الحاكم،ِ فليس لِلحاكمِ أنْ يُنْشِىَء الأحكام، ويطْلُب التَّصْويت عليها - كما مَرَّ- وإنما له أنْ يَتَبَنِّى الأحكام الشرعية التي استُنْبِطَت باجتهادِ مجتهدٍ عالمٍ في دين الله وشريعته.

ويُنْظَر في مَوْقِع حقِّ وليِّ الأمرِ في تَبَنِّي الأحكام الشرعية والأمر بتنفيذها كِتاب"غياث الأمم في الْتِياثِ الظُّلَم"ص 216 و 217 وغيره من كتب السياسة الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت