فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 4557

وقد مر بنا قبل قليل- في بحث الإجماع - قول الدكتور الترابي: «ويُصبح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم، وتُصبِح أوامرُ الحكام كذلك أصْلَيْن من أصول الأحكام في الإسلام» . (238)

ويقول الترابي أيضًا: «وإلى جانب الرأْيِ العام المسلم الذي كان هو الضمان الوحيد في العُهود السابقة، فإنَّ الحكومة الإسلامية النِّظامية في العَهْدِ الحديث يمُْكن أنْ تُصبح ضَمانَةً كُبْرَى لِوِحْدة الفِكْر » . (239)

ما المراد بـ «الحكومة الإسلامية النظامية» هل يَعْنِي؛أن َّالحكومات الإسلامية السابقة زمن الخلافة الإسلامية كان حكوماتٍ فَوْضَوِية ًأو استبْداديةً؟ كأنَّ الدكتور الترابي يَعْنِي هذا، فقد قال في ص 9 من رسالة"تجديد الفكر الإسلامي": «ذلك أن حكومة المسلمين وقْتَئِذ كانت حكومةً تتَوَلَّى الحُكْم إمَّا بالوِراثَةِ أو بالقوة، ولم تكن بذلك مُؤَهَّلَةً لأَنْ تَطْلُب من المسلمين حق الطاعة، ولذلك أغْفَلَهَا الفقهاء، وجَرَّدُوها من حقِّ وَضْعِ الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين» .

إذا على رأي الدكتور الترابي- إن الحكومات الإسلامية من القرن الأول إلى زمن سقوط الخلافة العثمانية على يد الإنكليز عام 1924م لم تكن مُؤَهَّلَةً لأنْ تَطْلُب من المسلمين حق الطاعة، لأنها حكوماتٌ تَوَلَّت الحُكْم إمَّا بالوراثة أو بالقوة، ومن يقول بهذا إلاَّ غُلاةُ الشِّيعة والخوارج! أما قَوْلُ الترابي: «ولذلك أغفلها الفقهاء وجرَّدُوها مِن حقِّ وَضْع الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين» فَغَيْر صحيحٍ ومُخالِفٌ للواقع التاريخيِّ للفقه الإسلامي، وحياة المسلمين العملية التطبيقية، فقد كان الفقهاء يذكرون حق الحكومة في تَبَنِّي الأحكام الشرعية، والأمر بتنفيذها ووجوب إطاعتها من قبل الرعية كما تقدم قريبًا.

ولم يَكُن لِيَسْتَقِيم أمرُ الدَّوْلة الإسلامية على مَرِّ العُصُورِ ويَزْدَهِر، ولم تكن لِتَسْتَمِرّ الفتوحات الإسلامية، وتكون الدولة الإسلامية أقوى دَوْلَة ٍعلى وَجْهِ الأَرْضِ لو كانت أوامرُ تلك الدولة غيرُ واجبة الطاعة من قِبَلِ المسلمين.

3-وأما القِياسُ، فإنَّ الدكتور التُّرابي لا يُريد بِه قياس الفقهاء والأصوليين الذي له ضوابط وشروط، وإنما يريد قياسا حُرًّا فِطْرِيًا عَفَوِيًا، ليس له أيَّةُ ضوابط أو قُيود، لأنَّ هذه الضوابط والقيود- في زعْمِه - مِن وضْعِ مَناطِقَة الإغريق، ثم اقْتَبسها الفقهاء عنهم.

معَ أنَّ تَعْريف القياس عند الأصوليين غيرُ مُعَقَّدٍ، فقَد عرَّفَه الخطيب البَغدادي فقال: «هو حَمْلُ فَرْعٍ على أصْلٍ في بعض أحكامه، لِمَعْنَى يَجمع بينهما» (240) . وعرَّفه البَيْضاوِيُّ بأنه: «إثْباتُ مِثلُ حُكمٍ مَعلومٍ في معلومٍ آخَر لاشْتِراكهما في علة ِالحُكم عند المُثْبِت» . (241)

فتحت عنوان: «نحو أصولٍ واسعةٍ لِفِقْهٍ اجتهاديِّ» قال الدكتور الترابي: «وفي هذا المجال العام يَلْزَمُ الرُّجوع إلى النُّصوص بِقواعد التفسير الأصولية، ولكنَّ ذلك لا يَشْفِي إلاَّ قليلًا، لِقِلَّة النُّصوص، ويَلْزَمُنا أنْ نُطَوِّر طرائق الفِقْه الاجتهاديِّ التي يتَّسِع فيها النظر بِناءً على النَّص المَحْدود، وإذا لجَأْنا هنا لِلقياس لِتَعْدِية النصوص وتَوْسيعِ مَدَاها، فما ينبغي أن يكون ذلك هو القياس بِمَعَايِيْرِه التقليدية، فالقياس التقليدي أغلَبُه لا يَسْتَوْعِب حاجاتِنا بما غَشَيهُ من التضْيِيق اتْفاقًا بمعايير المَنْطِق الصُّورِي التي وردَت على المُسلمين مع الغَزْوِ الثقافي الأوَّل، الذي تأثر به المسلمون تأثرًا لا يُنازعه إلاَّ تأثرنا اليوم بأنْماط الفكر الحديث» . (242)

عجبًا لك يا ترابيُّ، أَتَتَّهِم المسلمين بما فيهم أئمة الفقه والأصول في العصر الأول بأنهم انْفَعَلوا بِمَعايير المنْطِق الصُّوري، وتأثروا بالغزو الثقافيِّ الأول وذلك لتَتَفَلَّت من القياس الذي وضعه أئمة أصول الفقه، وتأتيَ الحُكام المعاصرين بقياسٍ واسعٍ ليْس له ضوابط ولا قواعد، لِيَسَعَ كل الأحكام الطاغوتية الوافدة من الغرب المستعْمِر، باسم الإسلام المُتَجَدِّد؟ فَمَنْ أَوْلَى بالاتِّهام بأنه تأثر بالغزوِ الثقافيِّ الأجنبيِّ، علماء أصول الفقه القُدامَى أَمْ أنْت؟ ).

المرجع: ( مَفْهُومُ التَّجْديدِ بين السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ, وبين أدْعِياءِ التَّجْديدِ(المعاصرين ) ) للدكتور محمود الطحان ، ص 22-27).

الشبهة (8) : مغالطاتهم في الفهم المقاصدي للإسلام

قال الأستاذ عبدالسلام بسيوني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت