فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 4557

أما أن الشريعة تشتمل على نصوص منزَّلة من عند الله تعالى، وعلى تفسير الرجال لتلك النصوص، واجتهادهم فيما لا نَصَّ فيه فذلك حَقٌّ لا مراء فيه. أما وصف فقه الرجال بالتغير وعدم الثبات فهو الموضع الذي يحتاج إلى فحص وتأمل. ذلك أن كلمة التغير كلمة تحتمل معاني متعددة، فمن الخطأ البَيِّن أن يقصد منها اطراح فقه العصور الماضية، والبدء في تدوين فقه عصري جديد. «وإذا قرر الجيل الحاضر أن يعرض عن كل ما أنجزته الأجيال الماضية من عمل وجهد، وأن يؤسس له بناءً جديدًا، على قواعد جديدة، فإن للأجيال الآتية بعده أن تتخذ قرارًا سفيها مثل هذا. ولذا فإن شعبًا لم يفارقه العقل لا يبيد الجهود والأعمال التي تمت على أيدي أسلافه، وإنما يتقدم إلى الأمام مضيفًا إلى الأعمال السابقة أعمالا جديدة لم يُتَحْ للأولين أن يقوموا بها، وهكذا لا يزال يتقدم بخطي حثيثة في ميدان الكمال والارتقاء » . (280)

إن الفقهاء الأوائل بَشَرٌ ما في ذلك شك، لا يعني ذلك أن ما قالوه فهو خطأ يجب اطراحه. أو لَسْنَا أيضا بشرًا، فما الذي يجعل لنا فضلا عليهم؟ إن فقه الأولين فيه الخطأ والصواب، وكل ذي عقل يرى أن ما كان صوابًا قبلناه، وما كان خطأ طرحناه.

وإذا كان تقسيم الشريعة إلى شريعة الله وشريعة الفقهاء له إيحاءات خاطئة، فالأفضل منه أن يجعل التقسيم أكثر تفصيلا، حتى يكون أكثر بيانًا ووضوحًا. وقد قسم الإمام ابن تيمية الشريعة إلى ثلاثة أقسام (281) : شريعة منزلة وهي القرآن والسنة، وشريعة اجتهادية وهي ما توصل إليها عن طريق الاجتهاد، وشريعة محرمة وهي التي يظن أنها من الشرع وهي محض انحرافات. فالشريعة الاجتهادية تتعدد الآراء فيها في المسألة الواحدة، ونقبل ونرفض منها بحسب الأدلة، أما الانحرافات والتحريفات فمرفوضة كلها.

( المرجع: مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 242-259) .

الشبهة (10) : تغير الأحكام بتغير الزمان

يقول: الدكتور محمد سليم العوا: (إن أصحاب رسول الله، وهم حملة الشريعة، والقائمون عليها من بعده، غيروا بعض السنن المروية عن الرسول لما تغيرت الظروف لعلمهم أنها صدرت عنه - عليه السلام - ملاحظًا فيها حال الأمة ومقتضيات البيئة زمن التشريع دون أن تكون شرعًا لازمًا عامًا في كل حال. ولولا ذلك ما غيروا، ونحن نعيذهم جميعًا من أن يخالفوا حديث رسول الله، وهم يعلمون أنه دين عام، وتشريع لازم لكل الناس في جميع الحالات، وكيف يتصور أن يقع ذلك منهم، وهم أحرص الناس على اتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وترسم خطاه ) (282) .

ويقول الدكتور معروف الدواليبي في مقال بعنوان: « النصوص وتغير الأحكام بتغير الزمان » : (لقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ لبعض الأحكام الشرعية حقًا خاصًا بمن له سلطة التشريع وأخذت به، أما التغيير لحكم لم ينسخ قصة من قبل الشارع فقد أجازته للمجتهدين من قضاة ومفتين، تبعًا لتغير المصالح في الأزمان أيضًا، وامتازت بذلك على غيرها من الشرائع، وأعطت فيها درسًا بليغًا عن مقدار ما تعطيه من حرية للعقول في الاجتهاد، ومن تقدير لتحكيم المصالح في الأحكام. وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقررة في التشريع الإسلامي، تعلن بأنه « لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأمان » ) (283)

ويقول الدكتور النويهي: ( إن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية، بين الناس والتي يحتويها القرآن والسنة، لم يقصد بها الدوام، وعدم التغيير، ولم تكن إلا حلولًا مؤقتة، احتاج لها المسلمون الأوائل، وكانت صالحة وكافية لزمانهم، فليس بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن الأحوال تستلزمه ) (284) .

ومن الأحكام التي وردت النصوص بإثباتها تحديد المواقيت التي يُحْرم منها الحاج والمعتمر، ولكنا نجد من يرى تغيير أو تجاوز هذه المواقيت، بحجة تغير ظروف الزمان والمكان.

يقول الشيخ محمد الغزالي: (إن الاجتهاد في بعض الأحكام العبادية ممكن، وقد صرت إلى هذا الرأي بعد ما قرأت رسالة للفقيه المعاصر الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود عنوانها «جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات والسفن البحرية » والعنوان يشير إلى الموضوع، فإن مواقيت الحد حددتها السُنَّة، وقد جد في عالم المواصلات ما لا معنى للتغابي عنه ... يقول الشيخ الجليل: والحكم يدور مع علته، ولكل حادث حديث، ولن يعجز الفقه الإسلامي الصحيح، الواسع الأفق عن إخراج حكم صحيح، في تعيين ميقات يعترف به لحج هؤلاء القادمين على متون الطائرات، لكون شريعة الإسلام كفيلة بحل مشكلات العالم ما وقع في هذا الزمان، وما سيقع بعد أعوام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت