وحاجة تعيين ميقات في جدة للقادمين على الطائرات، آكد من هذا كله، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًا، ويرى كثرة النازلين من أجواء السماء إلى ساحة جدة، يؤمون هذا البيت للحج والعمرة لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها، لكون ذلك من مقتضى أصوله ونصوصه) (285)
ومن الأمثلة على اجتهاد العقلانيين في أمور ثبت بالدليل حرمتها، وغيروا الحكم فيها «مسألة التصوير لذوات الأرواح » حيث قالوا بجوازها بحجة تغير الزمان، فهذا محمد عمارة يوضح اجتهاده في هذه المسألة مستشهدًا بقول إمامه محمد عبده، ونحن مقدمون على استعراض المأثورات والأحاديث النبوية، التي رويت في هذا الموضوع، هي وجوب الاستحضار والتدبر للمناخ والبيئة والإطار الذي قيلت فيه هذه الأحاديث، وذلك حتى ندرك فيها ومنها المقاصد والعلل والحكم والغايات، فهي قد قيلت للمؤمنين بالله الواحد، كانوا حتى الأمس القريب يعبدون الصور والتماثيل، وهؤلاء المؤمنين كانوا محاطين بعبدة الصور والتماثيل الذين لم يؤمنوا بعد ... وصُنَّاع النسيج والأوثان والأدوات - وهم في الأساس من غير العرب - كانوا يزنون مصنوعاتهم ومنسوجاتهم بصور الآلهة - (الأصنام) - ترويجًا لها في البيئة الوثنية ... ومن هنا كان النهي عن هذه «الصور » نهيًا عن الوثنية ودعوة إلى تنقية المنازل والأندية من صور الأصنام المعبودة في الجاهلية، وسعيًا لاجتثاث جذور المرضى الوثنى، وذلك حتى تبرأ هذه الجماعة البشرية تمامًا من الشرك والتعددية، فتخلص العبودية لله وحده، وترسخ في قلوبها عقيدة التوحيد) (286) .
ويقول: (وإذا كانت الأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، فإن التحريم للتماثيل والصور سيصبح بداهة مرهونًا ومشروطًا ومعللًا بمظنة اتخاذها أندادًا تشارك الله في الألوهية والتعظيم، فإذا ما انتفى هذا السبب، وزالت هذه المظنة انتفى التحريم، وعادت الإباحة حكمًا للصور والتماثيل، من جديد) (287) .
ويستشهد بموقف محمد عبده من التصوير قائلًا: (وفي العصر الحديث: عندما شرعت مدرسة التجديد والإحياء الديني تزيل عن الفكر الإسلامي غبار عصور الجمود والتراجع الحضاري - المملوكية العثمانية - وجدنا واحدًا من أبرز مهندسي ذلك التجديد، وهو الأستاذ الإمام محمد عبده ... يطرق هذا الباب باجتهاده وتجديده، فيعلن مباركة الإسلام للفنون الجميلة، منبهًا على دور فنون التشكيل - رسمًا ونحتًا وتصويرًا - دورها النافع والضروري في تسجيل الحياة وحفظها، وفي ترقية الأذواق والحواس والاقتراب بالإنسان من صفات الكمال !.. ثم يأتي الأستاذ الإمام إلى القضية الشائكة والخلافية .. قضية الإسلام من هذه الفنون وأصحابها، فيدلي بالقول الفصل في فائدتها - ومن ثم حلها - وذلك لتغير الملابسات والمقاصد التي دعت إلى نفور المسلمين منها في عصر البعثة النبوية، يوم كانت الرسوم والصور والتماثيل إنما تتخذ كي تعبد من دون الله، أو على الأقل كانت مظنة شبهة، لتعظيمها دينيًا، فكان أن نهى عنها الرسول - عليه الصلاة والسلام - ... أما الآن وبعد زوال الخطر بالكلية، وبعد أن لم تعد الرسوم والتماثيل مظنة شبهة العبادة أو التعظيم الديني، وبعد أن وضحت وتأكدت منافعها في ترقية أذواق الأمة، وحفظ حقائق تاريخها وعلومها، فإن رضاء الإسلام ومباركته لها أمر لا شك فيه! .. ) (288) .
وذكر أنه قال في مجلة المنار: (ربما تعرض مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية، إذ كان القصد منها ما ذكر، من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية، وأوضاعهم الجسمانية؟ هل هذا حرام؟ أو مكروه؟ أو مندوب؟ أو واجب فأقول: إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محى من الأذهان... وما ورد من حديث « إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون » (289) . أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول: اللهو. والثاني: التبرك بتمثال من ترسم صورته من الصالحين. والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان، وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات) (290) .
ومن أبرز الأدلة التي يستشهد بها أصحاب هذا الاتجاه على تغيير الأحكام الثابتة بالنصوص تبعًا لتغير الظروف، سهم المؤلفة قلوبهم، ومنع خروج النساء إلى المساجد، وحد السرقة، بالإضافة إلى استدلالهم بكلام ابن القيم عن تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والنيات والعوائد .
الرد: