فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 4557

بعد أن بينا آراء أصحاب هذا الاتجاه في هذه القضية، وذكرنا بعض الأمثلة، ومجمل الأدلة التي يبررون بها ما ذهبوا إليه، أقول: إن ما ثبت حكمه بنصوص القرآن والسنة، فهو حكم دائم وثابت لا يملك أحد تغييره، إلا بتشريع أعلى منه أو مساوٍ له، ينسخ الحكم السابق، وهذا ممتنع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: (ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته « شرعًا لازمًا » إنما لا يمكن تغييره، لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا؛ ولاسيما الصحابة، لاسيما الخلفاء الراشدون، وإنما يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال كالرافضة، والخوارج الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونهم، ولو قدر أن أحدًا فعل ذلك لم يقره المسلمون على ذلك، فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ذلك) (291) .

وإذا قلنا بهذا، فكيف غير الصحابة الحكم في مثل منع إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة، وقد ثبت حقهم فيها يقول الله: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } [التوبة: 60] ، وكذلك منع النساء من الخروج إلى المساجد، وقد ثبت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله » (292) ، وعدم قطع عمر يد السارق في عام المجاعة والله تعالى يقول: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } [المائدة: 38] .

والجواب أن نقول: ما يتوهمه البعض أن هذا تغيير في الأحكام الشرعية ليس بصحيح فالحكم الثابت عن الله، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم دائم لا يتغير، وإنما تطبيقه على الوقائع هو الذي يمكن أن يتغير، لعدم تحقق شروطه التي اشترطها الشارع، أو لعدم تحقق المناط كما يقول الأصوليون، وبتطبيق هذه القاعدة على هذه القضايا، التي توهم البعض تغير الحكم فيها يتضح الأمر .

أولًا: منع عمر - رضي الله عنه - إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة:

مَنْع عمر إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة، ليس إيقافًا للحكم ولا نسخًا له، ولا أحد يملك ذلك بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، (وإن غاية ما يقال أن النص الذي جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم لم يحدد أشخاصًا بأسمائهم، وإنما أعطى أناسًا بوصف معين هم «المؤلفة قلوبهم » ، فمناط الإعطاء إذن أنهم من المؤلفة قلوبهم. فإذا توافر هذا المناط أعطوا، وإذا لم يتوافر لهم يُعطوا، ولا يقال في هذه الحالة أن النص عُدِّل أو ألغي إذا وقف، إنما غاية ما يقال أن النص لم يطبق لتخلف مناطه) (293) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم شرعًا معلقًا بسبب، إنما يكون مشروعًا عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة. وبعض الناس ظن أن هذا نسخ، لما روي عن عمر: أنه ذكر أن الله أغنى عن التآلف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمن عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك) (294) .

ويؤكد هذا المعنى الشاطبي - رحمه الله - في قوله: (واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف في الأحكام، عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه « دائم أبدي » ، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما في البلوغ مثلًا، فإن الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في الشواهد، وكذلك الحكم بعد الدخول، بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناء على العادة وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضًا بناء على نسخ تلك العادة ليس باختلاف في الحكم، بل الحكم أن الذي ترجح جانبه بمعهود أو أصل، فالقول قول بإطلاق، لأنه مدي عليه وهكذا سائر الأمثلة، فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق، والله أعلم) (295) .

ونخلص بعد هذا إلى أن اجتهاد عمر في هذه المسألة ليس فيها معارضة للنص، ولا يجوز لمسلم أن يقول أن عمر أوقف حكم الآية أو ألغاه .

ثانيًا: منع الصحابة النساء من الخروج إلى المساجد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت