من الأدلة التي يستدل بها القائلون بتغير الأحكام حسب تغير الظروف، حتى إن كانت ثابتة بالنصوص، ما حدث من الصحابة - رضوان الله عليهم - من منع النساء من الذهاب إلى المساجد، مع ثبوت الإذن لهن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كانت عائشة - رضي الله عنها - ممن قال بالمنع قائلة « لو أدرك رسول الله ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد » (296) .
يقول محمد سليم العوا عن الإذن للنساء بالخروج إلى المساجد: (ولو كان هذا شرعًا دائمًا لما ساغ لعائشة مخالفته، وإنما كان الشرع الدائم هو تحقيق مصلحة الأمة التي ما بعث الله الرسل في أي أمة كانوا إلا لتحقيقها فأينما تبين وجهها فشم شرع الله ودينه) (297) .
ونقول جوابًا على هذا، إن ما حدث من الصحابة ليس إيقافًا للحكم الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما كان المنع لعدم تحقيق المناط، فالشرط أن يخرجن غير متزينات.
ذكر النووي - رحمه الله-: (شروط العلماء في خروج النساء بأن لا تكون متطيبة ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة ولا مختلة بالرجال) (298) .
حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات » (299) ، ومعنى تفلة: أي غير متطيبة .
فتتحقيق المناط يكون (هل هذه المرأة تفلة فتخرج أو غير تفلة فلا تخرج. وهذا وإن تغير فليس هو الحكم، وإذا تبين هذا سقطت دعوى من يعتمد على هذه الآثار في القول بتغير الأحكام بتغير الزمان) (300) .
وعائشة - رضي الله عنها - في قولها بالمنع يكون استنادًا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها علمت أن الإذن بالخروج منها بأمر معين، وهو أن يكون الخروج لمصلحة، وليس لفتنة أو مفسدة (301) .
ثالثًا: إيقاف عمر لحد السرقة عام المجاعة:
يعتبر العقلانيون إيقاف عمر لحد السرقة الثابت بنص القرآن دليلًا على شرعية تغير الأحكام بتغير الظروف، يقول معروف الدواليبي: (اجتهاد عمر - رضي الله عنه - عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة على السارقين وهو قطع اليد ... وفي هذا تغيير لحكم السرقة الثابت بنص القرآن عملًا بتغير الظروف التي أحاطت بالسرقة) (302) .
والجواب أن نقول: الحد الذي أوقفه عمر ليس تغييرًا للحكم الشرعي، وإنما أوقفه لعدم تحقق شروطه (303) ، والتي منها ألا يكون أخذ السارق لسد رمقه يقول ابن حزم: (من سرق من جهد أصابه، فإن أخذ مقدار ما يغيث به نفسه فلا شيء عليه) (304) .
ويقول ابن القيم - رحمه الله-: (فإن السنة إذا كانت سَنَة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه - وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء) (305) ، ولو قام عمر بتنفيذ هذا الحد، بدون تحقق شروطه لكان هذا مخالفة شرعية.
( فالعموم في آية السرقة لا يصلح وحده لتطبيق الحد بل هناك شروط وردت في السُنة لابد من اعتبارها، ومن اعتبرها - كما هو صنيع عمر - لا يقال له أنه خالف الآية) (306)
( المرجع: الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين ، سعيد الزهراني ، 2/640-648) .
الشبهة (11) : موقفهم من الجهاد
يعتبر سيد أحمد خان ومحمد عبده هما أول من أظهر الروح الانهزامية أمام الأعداء المستعمرين، وليت الأمر منهما - على خطورته - وقف عند القول بأن الجهاد دفاع فقط ولكن مما لا تهما للمستعمرين في بلديهما يعبر عن إماتتهما لروح الجهاد، حتى الدفاع منه، ولذلك لم يبق معنى للجهاد إلا للدفاع عن النفس عند سيد أحمد خان الذي (يرى أن الجهاد يشرع فقط للدفاع عن النفس، وفي حالة واحدة فقط هي اعتداء الكافرين على المسلمين من أجل حملهم على تغيير دينهم، أما إذا كان الاعتداء من أجل أمر آخر مثل احتلال الأراضي، فالجهاد غير مشروع ) (307) .
ويقرر محمد عبده أن الجهاد دفاعي فيقول: ( فقتال النبي صلى الله عليه وسلم كله كان مدافعة عن الحق وأهله، وحماية لدعوة الحق، ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا مُنعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل، فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة، لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ، ويقول: { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] ، وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين، فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب .