ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان. فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام، ويؤذونهم وأولياؤهم من العرب المتنصرة، ومن يظفرون به من المسلمين، وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم، فقد مزقوا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورفضوا دعوته وهددوا رسوله، وكذلك كانوا يفعلون، وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن بسط القوي يده على جاره الضعيف، ولم تعرف أمة قوية أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك .
وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك أنه يحارب للدين، أن يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان، ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتهم يعرف، ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا العصر
وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلامي - حتى من المنتمين إليه - من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين أنه ليس دينًا إلهيًا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء، وأن العقائد الإسلامية خطر على المدنية - فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين) (308) .
وعند تفسير قوله تعالى: { حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة: 29] ، يقول رشيد رضا: (هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا، أي قاتلوا من ذكر عند وجود ما يقتضي وجوب القتال، كالاعتداء عليكم أو على بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم ... ) (309) .
وممن يرجح أن الجهاد شرع للدفاع فقط عبدالوهاب خلاف الذي يقول: (والنظر الصحيح يؤيد أنصار السلم، القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان، لا على الحرب والقتال، إلا إذا أريدوا بسوء، لفتنتهم عن دينهم أو صدهم عن دعوتهم، فحينئذ يفرض عليهم الجهاد دفعًا للشر، وحماية الدعوة وهذا بين في قوله تعالى في سورة الممتحنة المدنية: { لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [الممتحنة، 8، 9] ، وقوله تعالى في سور النساء المدنية: { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } [النساء:90] ، وقوله في سورة الأنفال المدنية: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ } [الأنفال: 61] ، وفي كثير من آي الكتاب وأصول الدين ما يعزز هذه الروح السليمة، ويبعد أن يكون الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على الحرب الدائمة، وأن يكون فرض الجهاد وشرع القتال على أنه طريق الدعوة إلى الدين، لأن الله نفى أن يكون إكراه على الدين، وأنكر أن يُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وكيف يتكون الإيمان بالإكراه ويصل السيف إلى القلوب. إن طريق الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله وحده هي الحجة لا السيف، ولو أن غير المسلمين كفوا عن فتنتهم، وتركوهم أحرارًا في دعوتهم ما شهر المسلمون سيفًا ولا أقاموا حربًا) (310) .
ويختار عبدالخالق النواوي القول بأن الجهاد في الإسلام دفاعي ويقول: (وبهذا الاختيار نكون قد تخلصنا مما يوصم به الإسلام في نظر خصومه، إذ يقولون: إن الإسلام كالبلشفية خطر على المدنية تجب محاربته ... ويستطردون بأن الإسلام ليس دينًا إلهيًا في نظرهم لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء) (311) .
والدكتور محمد أبو زهرة يعتبر ( الأصل هو السلْم، وأن الحرب من إغراء الشيطان ) (312) ويرى أن القتال للدفاع فقط فيقول: (نجد نصوص القرآن كلها تتجه إلى بيان أن القتال المطلوب هو دفع قتال المشركين قال تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] ، ونجد الآية التي تبيح قتال العرب كافة تنص على أن ذلك في مقابل اعتدائهم كافة على المسلمين قال تعالى: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [التوبة: 36] ) (313) .