والشيخ محمد الغزالي يرى أن الجهاد دفاع لا هجوم، ويرد حديث: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة » (314) ، ويحاول أن ينفي ما يثار من أن الإسلام انتشر بالسيف، ومما قال:(.... وما من شك في أن الجهاد حق لتأمين الدعوة وهزيمة الفتانين؟
فأما تصوير الإسلام بأنه يتحرش بالآخرين ويتعطش لدمائهم، فهو افتراء على الله والمرسلين، ومع أننا أشبعنا هذا الموضوع بحثًا في كتبنا الأخرى فإن الحاجة إلى الكلام فيه لا تزال ماسة ... ، وفي هذا الآونة استخرج البعض حديث: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري .. » .
قلت: والكلام للغزالي - ليت لكم سيفًا يحمي الحق، ويرد عنه العوادي! فإن الحق يغرق وليس له صريخ! ... ما لكم ولهذا الحديث؟ قال لي غلام متعالم: إنه يردّ كل ما تقول...!
قلت: سأتجاوز عن ضعف هذا الحديث من ناحية سنده، ولن أطعن في صحته - مع أن الطعن وارد - ولكن اسأل: لماذا لا تتعلمون الدين وتحسنون فقهه والعمل به، ثم تحسنون الدعوة إليه؟ عندما يراكم العالم أدنى مستوى منه فلن يسمع منكم ولن يرتضيكم قادة له، لا يجوز أن يكون الإمام أجهل من المأموم ... ! ) (315) .
ثم يقول: (... ولم تبدأ سياسة العصا الغليظة إلا بعد أن أوجعت عصى الأعداء جلود المؤمنين، وكسرت عظامهم. هنا نزل قوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الحج: 39] ) (316) .
ومما يوضح موقف الغزالي من الجهاد أيضًا كلامه في كتابه « الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر » إذ يقول: (ومع وضوح المنهج الإسلامي في الدعوة، فإن دخانًا كثيفًا انطلق في جوه، وما نلوم المبشرين والمستشرقين فيما اختلقوا من إفك، وإنما نلوم نفرًا من الناس لبس أزياء العلماء. وهم سوقة، وانطلق في عصبية طائشة يزعم أن الإسلام يمهد لحرب الهجوم وينشر دعوته بالسيف ... ) (317) .
ويحاول أن يرد ما يقال عن أن من الجهاد ما يكون هجومي فيقول:(كيف يصف عاقل اعتراض المسلمين أهل مكة بأنه حرب هجومية، ويسكت بغباء عن أن مكة حظرت الإسلام في أرضها، وطردت أهله واعتقلت بعد ذلك كل من يدخل فيه، هل حرب هؤلاء عدوان؟
وكتب مسكين آخر يقول: إن الحرب عندنا هجومية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون . أي باغتهم دون دعوة ودون انتظار إيمان، ودون إتاحة أية فرصة للنجاة .
وهذا كذب قبيح، وجهل غليظ، فإن الرسول الكريم حارب القوم بعدما أعدوا له وتهيأوا للنيل منه.. وكتب مغفل آخر يزعم أن الحرب ضد هوازن وثقيف كانت هجومية وما فكر في قراءة الجموع التي حشدها زعيم المشركين، والقوى التي دبرها لضرب الإسلام بعد فتح مكة .
إن هناك ناسًا يغلب عليهم القصور العقلي، ولكن لديهم جراءة على إرسال الأحكام البلهاء بثقة العباقرة! وقد أصاب الإسلام شر كبير من هؤلاء المنتسبين إليه الجاهلين به وبتاريخه، فقد جروا عليه تهمًا منكرة) (318) .
ويقول أيضًا:(وهناك شبهة ضعيفة ولكن الإجابة عنها مهمة جدًا، فقد ذكر البعض حديث: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » .
وظاهر الحديث أن الإسلام دين هجوم لنشر التوحيد .
ونقول: هذا الظاهر باطل، وسبب الخطأ في فهم الحديث كلمة «الناس » التي وردت فيه، أنها لأول وهلة تغني العالم أجمع، .... والحديث يتناول ناسًا معينين، ونقضوا كل عهد، ورفضوا كل حرية، وكرسوا جهودهم وثرواتهم للقضاء على الإسلام ورجاله..) (319) .
ويقول تحت عنوان « ما يسمونه آية السيف » : (لا يوجد ما يسمى آية السيف! هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام، وفي مقاتلهم أحيانًا لأسباب لا يختلف المشرعون قديمًا وحديثًا على وجاهتها، وعلى أنها تنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات) (320) .
ويقول: (سمعت من يحتج بالآية: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} [التوبة: 36] ، فقلت له: ألا تكملها ؟ أليس بعدها: { كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} [التوبة: 36] ، فأنى في الآية الدعوة إلى الهجوم، وإعمال السيف في الناس ) (321) .
ويقول أيضًا: (إن الإسلام لم يحارب الكفر لأنه كفر، بل لأنه ضم إلى عجوه الفكري جملة من الآفات الأخلاقية، والمسالك العدوانية لا يجوز قبولها، ولا يصبر حرُّ عليها!) (322) .
وبعد أن يورد الغزالي الآية: { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ } [التوبة: 13] ، يقول: ( في أي لفظ من هذه الألفاظ تشم رائحة الهجوم والتعديّ ؟