إنها استثارة للدفاع وحسب! وعندما يأمر بالقتال يذكّر بمآسيهم السابقة وما تركوه في القلوب من جراحات ... قال تعالى: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } [التوبة: 14، 15] .
ممن يكون شفاء الصدور وذهاب الغيظ؟ لا شك أن هؤلاء الناس تركوا في نفوس المؤمنين جراحات لا تندمل، غرّبوهم، وقتلوا أحبتهم، وضنّوا عليهم بكل حق، وظلوا على هذه الحال ثنتين وعشرين سنة يتربصون بالمسلمين، ويقلبون لهم الأمور ... أعطيناهم حق الحياة بكفرهم، وأبوا أن نعيش بإيماننا! قلنا لهم: لكن دينكم ولنا ديننا فقالوا: ليس لكم إلا الموت.
أولئك هم الذين برئت منهم ذمة الله ورسوله، وأولئك الذين نزل فيهم: { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] ، بأي عقل يأتي مفسِّر فيقول: المقصود بهذه الآية كل كافر على وجه الأرضَ أساء أم أحسن! وفّى أم غدر! ظلم أو أنصف! ثم يطلق على هذه الآية المحددة: آية السيف! ويلغي بها مائة آية في العرض الهادئ والجدال الحسن والوعظ البليغ!! ثم تظهر في عصرنا الأسود طوائف من الشباب الأغرار تحمل العصي، وتزعم أن الإسلام دين هجوم، وتريد أن تقاتل روّاد الفضاء) (323) .
ويجيب حسن الترابي في ندوة تلفزيونية عن النصوص التي تحث على الجهاد وترغب فيه ومنها قوله تعالى: { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } [التوبة: 5] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: « الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم » (324) .
ويقول في الجواب: ( القول بأن القتال حكم ماض، هذا قول تجاوزه الفكر الإسلامي الحديث في الواقع الحديث، ولا أقول إن الحكم قد تغير، ولكن أقول: إن الواقع قد تغير، هذا الحكم عندما ساد كان في واقع معين، وكان العالم كله قائمًا على علاقات العدوان، لا يعرف المسالمة، ولا الموادعة، كانت امبراطوريات، إما أن تعدو عليها، أو تعدو عليك) . (325)
ويطيل فهمي هويدي الحديث في محاولة تبرئة الإسلام من القول بأن الجهاد فيه جهاد طلب وابتداء، ويستدل بعدد من الآيات التي تدعو إلى السلم من مثل قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً } [البقرة: 208] وقوله جل وعلا: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ } [الأنفال: 61] ، وقوله: { وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] ، ... الخ ويقول بعد ذلك: (... ويتفق مع هذا السياق قول الله سبحانه وتعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [البقرة: 216] ، أي أنه أمر تفرضه عليكم عداوات الآخرين وظلمهم لكم، عليكم أن تقبلوه مضطرين) (326) .
فهو يرى أن الجهاد دفاع فقط، والإسلام لا يعتمد القتال وسيلة للتبليغ، ولا يكون إلا لأمر اضطراري، يقول: (ومنذ البداية، سلح الله المسلمين بالكلمة، وكان أول ما أنزل الله على نبيه هو: «اقرأ - وليس اضرب » أو «ابطش » ، وكان كتاب المسلمين هو القرآن الكريم، ولم يكن سلاح المسلمين سيفًا ولا سوطًا، ولم تكن شريعتهم قانون حرب، والأمر كذلك فإن القتال في التصور الإسلامي ينبغي أن يظل منعطفًا يكره إلى المسلمون أو نوعًا من «الهبوط الاضطراري » الذي يعترض المسار الطبيعي لرحلة التبليغ الإسلامية) (327) .
وعند حديثه عن الحرب المشروعة إسلاميًا يقول:( يرى الشيخ رشيد رضا أن الحرب الإسلامية تحكمها عدة قواعد:
القاعدة الأولى: أن الأمر بالقتال ورد في سياق الرد على عدوان المعتدين درءًا للمفاسد وتوطيدًا لمصالح المسلمين، وأن هذا الأمر جاء مقترنًا بالنهي عن قتال الاعتداء والبغي والظلم، وهو ما يشهد عليه قوله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] .
القاعدة الثانية: أن تكون الغاية الإيجابية من القتال بعد دفع الاعتداء والظلم واستتباب الأمن، هي حماية الأديان كلها من الاضطهاد فيها أو الإكراه عليها، وعبادة المسلمين لله وحده، وإعلاء كلمته وتأمين دعوته وتنفيذ شريعته ) (328) .
وبعد ذلك يحاول أن يعلل قيام الغزوات التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم وحروب الإسلام الأولى، ويقول بأن أعداء الإسلام هم الذين أشعلوا نارها، وأطاروا شرارها، وما كان من المسلمين إلا أنهم قبلوا التحدي، وردوا التعدي. وكان تتابع الفتوح بحكم الضرورات الحربية وحدها، وما كان جهاد المسلمين إلا ليؤمنوا دولتهم (329) .