فهرس الكتاب

الصفحة 831 من 4557

ويحاول فهمي هويدي أن يرد دلالة الأحاديث الصريحة في الأمر بالجهاد، فبعد أن يورد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... » ، يقول: (وحقيقة الأمر أن المعنى بالناس هنا ليس كل البشر، وإنما هم جماعة من البشر) (330) .

أما عن حديث: « ٍبعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري » فيشكك أولًا في صحته، ثم يقول: وفي شرح معاصر للحديث أنه يعني: أن سيف الإسلام حاضر للقتال في سبيل الله، كلما دُعي إلى ذلك، وأن مصير الشرك والوثنية هو الهزيمة والامتثال لأحكام الله وتعاليمه. وأن الشق الأخير المتعلق بالغنائم خاص برسول الله الذي أبيح له أن يأخذ نصيبًا منها، وهذا الحديث يفهم خطأ إذا عزل عن الموقف الإسلامي الأصيل من قضية الحرب والسلم، الذي تحدده نصوص القرآن الكريم بالدرجة الأولى، وهي النصوص القاطعة في منع العدوان وإشاعة السلام، وفي كل الأحوال، فينبغي أن يوضح في إطار الإعلان عن القوة التي تحمي الحق، وتصد عنه كل عدوان .

والمنطلق الذي ينبغي أن نقرأ به هذا الحديث النبوي، هو ذاته الذي ينبغي أن نفهم به عبارة السيد المسيح في الإصحاح العاشر من إنجيل متى: « ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا » إذ لا يمكن أن يزعم زاعم أنها دعوة لقتال العالم، ومخاطبته بالسيف، وهو ما تقطع بكذبه التعاليم الأساسية للديانة المسيحية. وإنما يقضي الإنصاف أن نستقبل هذه العبارة باعتبارها تلويحًا من جانبه بأن القتال في سبيل الدفاع عن العقيدة يظل واردًا إذا لزم الأمر) (331) .

ويرى محمد عمارة أن الجهاد في الإسلام دفاعي، وهو سبيل يلجأ إليه المسلمون عند الضرورة، أما القول بأن المسلمين مطالبون بقتال مخالفيهم في الدين حتى يؤمنوا بالإسلام فيرى أنها شبهة أصبحت عالقة بسماء الفكر في عالم الإسلام يجب تبديدها، وتبرئة الفكر منها.

ويستدل بقوله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] ، ويعلق بقوله: ( فالمطلوب هنا ليس قتال المخالفين لنا في الدين، وإنما قتال « الذين يقاتلوننا » من بين هؤلاء «المخالفين » فحكمة القتال وسبب هما «قتال » هؤلاء المخالفين لنا، و «عدوانهم » علينا، وليس مجرد «الخلاف لنا في الدين » ! ذلك أن الإسلام لا ينهى، فقط عن مقاتلة المخالفين لمجرد الاختلاف الديني معهم، بل إنه يدعو إلى مودتهم والقسط إليهم طالما لم يقاتلونا في الدين! فإن هم قاتلونا، واعتدوا علينا، وانتهكوا الحرمات، وجب علينا قاتلهم) (332) .

ويرى دلالة الحديث: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.. الحديث » بقوله:(أما هذا الحديث، والذي يبدوا للعامة وأنصاف المثقفين ثقافة إسلامية، من ظاهر ألفاظه، أنه يدعو إلى مقاتلة المخالفين في الدين، حتى يثوبوا إلى عقيدة التوحيد.. فإن الفقه الحق لمعناه يتطلب ما هو أكثر من النظر العابر لظاهر الألفاظ !

فالمراد « بالناس » الذي أمر الرسول بقتالهم: « المشركون » من العرب أولئك الذين كانوا يمنعون، بالفتنة والعدوان، دعوة الإسلام من أن تتخذ لنفسها القاعة الآمنة التي ينطلق منها الدعاة) (333) .

والقاعدة عنده تتبين من قوله: ( فالذين يكفون الأيدي عن قتالنا ويلقون حبال السلام إلى عالم الإسلام وأهله، لا سبيل لنا عليهم، أما «المنافقون » الذين لا يكفون أيديهم عن قتال المسلمين، فإن « السلطان » الذي قرر الله لنا عليهم يدعونا إلى قتالهم، ردًا للعدوان، وتأمينًا لعالم الإسلام وحريات المسلمين ... « فالعدوان » أو « المسالمة » هو المعيار، ليس « النفاق » ولا الخلاف في الدين) (334) .

وفي ختام كلامه يقول: ( والقتال في الإسلام سبيل يلجأ إليها المسلمون عند الضرورة.. ضرورة حماية الدعوة، وتأمين الحرية للدعاة، وضمان الأمن لدار الإسلام وأوطان المسلمين. سان كان ذلك القتال «دفاعيًا تمامًا » أو «مبادأة » يجهض بها المسلمون عدوانًا أكيدًا أو محتملًا ... فهو في كل الحالات ضد للعدوان.. أما إذا جنح المخالفون إلى السلم، وانفتحت السبل أمام دعوة الإسلام ودعائه، وتحقق الأمن لدار الإسلام فلا ضرورة للحرب عندئذ، ولا مجال للحديث عن القتال، باسم «الدنيا » كان ذلك الحديث أو باسم « الدين » ) (335) .

الرد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت