فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 4557

من هذا العرض لأقوال هؤلاء المفكرين عن الجهاد، يتبين موقفهم الانهزامي أمام شبه أعداء الإسلام، القائلين بأن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف، وأنه دين العنف والإرهاب، فأراد هؤلاء المفكرون أن ينفوا مثل هذه الشبه، ويدافعوا عن سمعة الإسلام، فوقعوا في المصيدة التي نصبها لهم الأعداء، وقالوا أن الجهاد في الإسلام لم يشرع إلا للدفاع، وأن معارك الإسلام جميعها لم تتخط هذه الغاية، وبذلك حصروا الحكم في أن الجهاد لا يكون مشروعًا إلا للدفاع عن المسلمين، والأرض الإسلامية، وأبطلوا الحكم الشرعي الثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، من أن من الجهاد ما هو جهاد طلب وابتداء، وهو أن يُطلب الكفار في عقر دارهم، ويقاتلون إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام .

وهذا الحكم الذي قال به هؤلاء المفكرون، يتبين بطلانه بأمور منها:

1 -إن النصوص التي استدلوا بها على أن الجهاد دفاعي فقط، من مثل قوله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] ، وقوله تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194] ، وقوله تعالى: { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } [النساء: 90] .

أقول أن استدلالهم بهذه الأدلة استدلال في غير محله، ولا يختلف عن من استدل بقوله تعالى للمؤمنين في مكة: { كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } [النساء: 77] ، على حرمة القتال في كل زمان، وهذا ما لا يقول به أحد من المسلمين. لأن هذه الآيات التي استدلوا بها نزلت في المرحلة الثالثة من المراحل التي شرع فيها القتال (336) ، وفيها فرض قتال من قاتل المسلمين فقط. ثم تلا ذلك النصوص التي وضعت الأحكام النهائية في المرحلة الرابعة والأخيرة، وفيها فرض الجهاد لمقاتلة المشركين كافة، وأن يقاتلوا أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذه المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة، ومن أدلتها قوله تعالى: { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [التوبة: 5] .

يقول الشيخ عبدالرحمن الدوسري - رحمه الله-: (إن قتال الكفار على العموم واجب بالنصوص القطعية من وحي الله كتابًا وسنة، وهذا القتال واجب للهجوم لا للدفاع. كما تصوره بعض المنهزمين هزيمة عقلية، باسم الدفاع عن تشويه سمعة الإسلام والذين اشتبهت عليهم معاني النصوص التي يفيد بعضها الخصوص فأعمتهم هزيمتهم العقلية أو الهوى عن النظر في العمومات الصارفة الناسخة لما قبلها، لكونها عامة ومتأخرة، قال الله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [التوبة: 123] ، وقال: { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [التوبة: 5] ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله » . وغير ذلك من النصوص الواضحة التي لا نطيل بها المقام ولكن المهزومين وأصحاب الهوى يضربون صفحًا عن هذه النصوص القاطعة العامة، الناسخة لما قبلها لتأخرها في النزول، ويتمسكون فقط بقوله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] ، كما يأخذون التعليل بآية الإذن في الجهاد، غافلين أو متغافلين أن مشروعية القتال جاءت في القرآن على مراحل) (337) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت