ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - رادًا على من استدل ببعض الآيات على أن الجهاد للدفاع فقط:(... وقد تعلق القائلون بأن الجهاد للدفاع فقط بآيات ثلاث: الأولى قوله جل وعلا: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190] ، والجواب عن ذلك أن هذه الآلية ليس معناها القتال للدفاع، وإنما معناها القتال لمن كان شأنه القتال: كالرجل المكلف القوي، وترك من ليس شأنه القتال: كالمرأة والصبي ونحو ذلك، ولهذا قال بعدها: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } [البقرة: 193] ، فاتضح بطلان هذا القول، ثم لو صح ما قالوا، فقد نسخت بآية السيف وانتهى الأمر بحمد الله .
والآية الثانية التي احتج بها من قال بأن الجهاد للدفاع هي قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ، وهذه لا حجة فيها، لأنها على الأصح مخصوصة بأهل الكتاب والمجوس وأشباههم، فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام إذا بذلوا الجزية، هذا هو أحد القولين في معناها.
والقول الثاني أنها منسوخة بآية السيف، ولا حاجة للنسخ بل هي مخصوصة بأهل الكتاب، كما جاء في التفسير عن عدة من الصحابة والسلف، فهي مخصوصة بأهل الكتاب ونحوهم فلا يكرهون إذا أدوا الجزية، وهكذا من الحق بهم من المجوس وغيرهم إذا أدوا الجزية فلا إكراه، ولأن الراجح لدى أئمة الحديث والأصول أنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجميع وقد عرفت أن الجمع ممكن بما ذكرنا. فإن أبوا الإسلام والجزية قوتلوا كما دلت عليه الآيات الكريمات الأخرى. والآية الثالثة التي تعلق بها من قال أن الجهاد للدفاع فقط قوله تعالى في سورة النساء: { فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } [النساء: 90] ، قالوا من اعتزلنا وكف عنا لم نقاتله. وقد عرفت أن هذا كان في حال ضعف المسلمين أول ما هاجروا إلى المدينة. ثم نسخت بآية السيف وانتهى أمرها أو أنها محمولة على أن هذا كان في حالة ضعف المسلمين، فإذا قووا أمروا بالقتال، كما هو القول الآخر كما عرفت وهو عدم النسخ، وبهذا يعلم بطلان هذا القول، وأنه لا أساس له ولا وجه له من الصحة ... ) (338) .
2 -القول بأن الجهاد دفاعي فقط، دعوى تدل على الجهل بطبيعة الشر وأهله، فقد أخبر الله وهو أعلم بخلقه بنوايا المشركين تجاه المسلمين، في مثل قوله: { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ } [البقرة: 217] ، وقوله تعالى: { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [البقرة: 120] ، وقوله: { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً } [النساء: 102] .
وإذا كانت هذه نوايا أهل الكفر تجاه المسلمين، « فكيف يجوز أن يدعى بأن الجهاد في الإسلام لم يشرع إلا عندما يهجم أعداء الإسلام على دار الإسلام، أو على المسلمين، مع أن الله أخبرنا أنهم فاعلون ذلك إن عاجلًا أو آجلًا، وأنهم لا يسالمون إلا وفي نيتهم منازلة المسلمين عندما تتاح لهم الفرص والظروف؛ يؤيد هذا ما أخبر به عز وجل من أن المشركين لا عهد لهم ولا أيمان، فقال سبحانه: + كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ"، إلى قوله تعالى: { فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } [التوبة: 7-12] ) (339) ."
يقول سيد قطب - رحمه الله: « ... إن الله سبحانه يعلم أن الشر متبجح، ولا يمكن أن يكون منصفًا، ولا يمكن أن يدع الخير ينمو مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة، فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر، ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل، ولابد أن يجنح الشر إلى العدوان، ولابد أن يدافع الباطل عن نفسه، بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة، هذه جبلة ولبست ملابسة وقتية، هذه فطرة وليست حالة طارئة، ومن ثم لابد من الجهاد، لابد منه في كل صورة، ولابد أن يبدأ في عالم الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود، ولابد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح، ولابد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة، وإلا كان الأمر انتحارًا أو كان هزلًا لا يليق بالمؤمنين) (340) .