فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 4557

وبعد إيراده لنص القرافي المتقَدِّم، وإيرادِهِ لتلك الملاحظة عليه، استشهد بنصٍ آخر يُفْهُم منه شُمول التغيير لمجال أوسع من الأحكام، هذا النص هو قول القرافي: «فمهما تجدد من العرف اعْتَبِرْه، ومهما سقط أسْقِطْه، ولا تَجْمُد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تخبره على عُرْفِ بلدك، واسأله عن عُرْف بلده، وأجْرِهِ عليه، وأفْتِهِ به، دون عرف بلدك، والمُقَرَّرِ في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجَهْلٌ بمقاصدِ علماء المسلمين والسلف الماضين» (444) لِيَسْتَنْتِجَ القرضاوِيُّ من هذا النص أن القانون الواجب على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الأزمان والبلدان (445) .

وليست هذه الملاحظة هي المقصودة، إذ المقصود هو تغير الأحكام بناءً عليها، فهو يَخْتَتِم النُّقُولاتِ التي أوردها بقوله:«وهذا ما جعل كثيرًا من أهل العلم يقرون أشياء كانوا يُنْكِرونها- أو أكثرهم- منذ سنواتٍ غير بعيدة، نزولًاعلى حُكْم الضرورة ، واستجابةً لنداءِ الواقع، وتطبيقًا لرُوح الشريعة، التي أراد الله بها اليُسْر، ولم يُرِدْ بها العُسْر (446) .

وفي ذكره لأسباب المرونة في الشريعة الإسلامية يذكر من ذلك:

تقرير مبدأ تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف.

ويرى أنه مبدأ تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم ثم في عهد الصحابة. واستدل على ذلك بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المؤلفة قلوبهم، وقسمة الأراضي المفتوحة ، وطلاق الثلاث وغيرها (447) .

وفي السياق نفسه يتحدث الدكتور عبد المجيد النجار عن تغير الأحكام بتغير الزمان، نتيجة للأوضاع الواقعية التي تُرَجِّح ذلك التغير، ويَسْتدِل- أيضًا- بما ورد عن ابن القيم من قوله في طلاق الثلاث: «... فلما تغير الزمان ، وبعد العهد بالسُّنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل، ونفَقَت في الناس ، فالواجب أن يُرَدَّ الأمرُ إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته، من الإفتاء بما يُعَطِّل سوقَ التحليل، أو يُقَلِّلْها، ويُخَفِّفُ شَرها، وإذا عُرِضَ على من وَفَّقَهُ الله، وبَصَّرَه بالهُدَى ، وَوَفَّقَه في دِينِهِ، مسألةُ كَونِ الثلاثِ واحدةً ، ومسألةُ التحليل ، ووَازَنَ بينهما ، تَبَيَّنَ له التَّفاوُت ، وعَلِمَ أي المسألتين أَوْلى بالدِّين ، وأصلح للمسلمين » (448)

والدكتور عبد المجيد النجار يحدد تَدخُّل الواقع فيما كان مظنونا من الأدلة ليختار من احتمالها ما يحقق المصلحة في ظرف واقعي معين. (449)

المناقشة:

القول بأن الأحكام تتغير بتغير الأزمنة والأحوال والمصالح والعادات قولٌ يُرَدِّدُه أكثرُ المهتمين بالتجديد الفِقْهِيّ أو الأُصوليّ، مؤكدِين استناد هذه القاعدة للتاريخ الفقهي في عصر الصحابة والتابعين ومَن تَبِعَهُم ، بل في عصره صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم.

فأما تغير الأحكام في عصره صلى الله عليه وسلم فلا حُجَّة لهم فيه البتَّة، إذ تشريعه صلى الله عليه وسلم للأحكام تبليغٌ عن الله عز وجل مراده، ولله عز وجل نَسْخُ ما يشاء وإثباته. فكيف يجرؤ شخصٌ على ادِّعاءِ الإقتداء بالمصطفي صلى الله عليه وسلم في نسخ الأحكام وتبديلها!! أفلا يَلْزَمُ من ذلك القول بالتشريع ابتداء أُسْوةً بِِه صلى الله عليه وسلم في ذلك؟!

وأما القول بأن فِقْه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض القضايا يُمَثِّل مُسْتَنَدًا للقول بتغير الأحكام بناءً على تغير المصالح فهو قولٌ مردودٌ بما أوردناه في مناقشة العقلانيين. وخلاصته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يُبَدِّل حُكْمًا، وليس له ذلك وإنما حرص - رضي الله عنه - على تحقيق مناط الحكم في كل قضية نُسِبَ إليه التغيير فيها ، فحيث تحقق مناط الحكم تحقق الحكم ، وحيث رأي تخلف المناط قال بتخلف الحكم، وهو المنهج الشرعي الذي تؤيده الأدلة الشرعية ، وتؤكده قواعد الشرعية وكلياتها.

وأما ما ذكروه من إيراد ابن القيم - رحمه الله- لفصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ، فصحيحٌ وواقعٌ. بَيْدَ أنَّ العلاَّمة ابن القيم رحمه الله - كما هو حال بقية السلف- لم يَعْمَد إلى تغيير حكمٍ شرعيٍ تحقق مناطه البتَّة، وأن كل اجتهاد لُوحِظَ فيه تغييرٌ لحكمٍ شرعيٍ إنما كان - في الحقيقة- اتِّباعٌ للشرع، وتحقيق لمناطات أحكامه. (450)

وقد تَتَبَّع بعض الباحثين الأمثلة التي أوردها ابن القيم في الفصل المشار إليه، وصرح بأنه لم يَرِدْ مثالٌ واحدٌ فيها قُدِّمَت فيه مصلحةٌ على نص. (351)

فكل حكم تغير كان إما نصًا بنص ، أو مصلحة بمصلحة راجحةٍ، أو إلحاقُ حكمٍ اجتهاديٍ بأصلٍ مَنصوصٍ عليه. (352)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت