فهرس الكتاب

الصفحة 840 من 4557

ثم يُقال لهم: هل المقصود من تغيير الحكام بتغير الزمان والأحوال ... أن الحادثة التي تَغَيَّر حُكْمُها هي هي عند تغير حكمها بجميع خصائصها وحيثياتها، أم أنه طرأ عليها اختلافٌ في بعض الخصائص والحيثيات؟

فإن كان الجواب بالأول فهو باطلٌ ؛ إذ ذلك نَسْخٌ للحكم، ولا نسخ بعد عصر الرسالة.

وإن كان الجواب بالثاني فمقبولٌ ؛ إذ أنهما حادثتان لا حادثة واحدة، وكل حادثة لها حكمها المستَقِلُّ عن حكم الأخرى، ومثال ذلك حكم المُؤَلَّفة قلوبُهم، وهم نَفَرٌ من الناس لم يستقِرّ الإيمان في قلوبهم ، جعلت لهم الشريعة حقًا في مال الصدقة، يتألفهم به الإمام ، للثبات على الإسلام، فيُسْلِم مَن وَرائِهم ويَسْلَم المسلمون من شرهم ، وهذا المعني لا يُخْشَى إلا في حالة ضعف الإسلام، وحاجته لنصرتهم ومؤالفتهم.

فالنص يوجب إعطاء المؤلفة قلوبهم لهذا المعنى.

وفي حالة تطبيق النص يجد الإمام أمامه حالتين:

الأولى: حالة ضعف الإسلام ، وقوم يحتاجون لهذا التأليف.

الثانية: حالة قوة الإسلام ، وقوم يزعمون أنهم من المؤلفة قلوبهم. فيطبق حكم الله على الحالة الأولى فيعطيهم سهمهم ، ويطبق حكم الله على الحالة الثانية فلا يعطيهم ، لأنهم ليسوا ممن أمر الله بإعطائهم، وهذا هو تحقيق المناط (353) .

وعند تحليل كلام الدكتور القرضاوي- المتقدم- نجد إشادة بما أشار إليه ابن القيم من تغير الفتوى...، ووصف ذلك بالمنار الذي يهتدي به السائرون، وينوه به المصلحون والمجددون... دون توضيح لمقصد ابن القيم من التغيير، وبيان محل التغيير وحدوده وكيفيته ، وهل يشمل الأحكام المنصوص عليها أم لا يكون إلا فيما لم يُنَصُّ عليه؟ كل ذلك لم يذْكُرْه، وإنما ذكر أهمية القول بمثل هذه القاعدة التي تفتح الطريق ، وتنير السبيل!!

وعندما استشهد بكلام القرافي المنقول من كتابه « الإحكام » لاحظ تقييد القرافي بأن التغيير إنما يكون في الأحكام التي مَدْرَكُها العوائد والأعراف ، لا النصوص المُحْكَمَات . في حين يفهم من كلام القرافي إخراج كل الأحكام التي مدركها النصوص قاطعة كانت أو مظنونة.

وقد تكون هذه الملاحظة تنبيهًا من القرضاوي على ضرورة إخراج النصوص المحكمات عن قاعدة التغيير والتبديل ، إلا أن إيراده لنصٍ آخر لم يرد فيه هذا القيد، بعد الملاحظة مباشرة، يُوهِم أنه يتبَنَّاه ، خاصةً بعد أن أورد القانون الواجب على أهل الفقه مراعاته، وهو ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الأزمان والبلدان لتتغير الأحكام عند ذلك، نزولًا على حكم الضرورة واستجابةً لنداءِ الواقع ، وتطبيقًا لرُوح ِالشريعة.

ونحن نعرف أحكام الضرورات، أما الاستجابة لنداء الواقع، وتطبيق روح الشريعة فما إِِِخَالُ مُنْصِفًا يُخالِفُنِي في ضرورةِ تحديدِ المقصودِ بالاستجابة، وتفسير نداء الواقع، وضبط الواقع ذاته، وقِسْ على هذا القول بتطبيق روح الشريعة.

أما قولُ الدكتور عبد المجيد النجار بالموازنة بين احتمالات الدليل (الظني الدلالة) ليُطَبَّق من الاحتمالات ما يحقق المصلحة في ظرفٍ واقعيٍ معينٍ..

فهو قول المحققين وأئمة السلف . والمهم أن تكون المصلحة المرعية منضبطةً بضوابط الشرع- كما تقدمت الإشارةُ إليها أكثر من مرة- فتحقق المصلحة الشرعية المنضبطة بضوابط الشرع ترجيحٌ لذلك الاحتمال على غيره من الاحتمالات.

وأخيرًا فإن القاعدة المشهورة «لا يُنكر تغَيُّر الأحكامِ بتَغَيُّر الزمان» ليست قاعدةٌ مُسْتَمَدَةً من أقوال السلف، فهي قاعدةٌ قرَّرَتْهَا مَجَلَّة الأحكام العدلية، (354) وقد وضعها الفقهاء للأحكام التي لا تستند مباشرةً على نص شرعي، بل مصدرها عُرْفٌ أو مصلحةٌ سَكَتََتْ عنها النصوص.

يقول الشيخ مصطفي الزرقا: « مِن المُقَرَّرِ في فِقْه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرًا كبيرًا في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية وعلى هذا الأساس أُسِّسَتْ القاعدةُ الفقهية القائلةُ «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان» وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الحكام التي تتبدل بتبدل الزمان واختلاف الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية ، وهي المعنية بالقاعدة الآنفة الذكر ، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال » . (355)

وإن كنا نتفق مع الشيخ مصطفي الزرقا في كون القاعدة إنما تتناول الحكام الاجتهادية ، فإننا نختلف معه في مفهوم التبديل والتغيير، فقد أوردنا سابقًا أن التغيير في الحكم لا يمكن أن يقع على صورة واحدة لم تتغير، أما إذا تغيرت الصورة فمن الطبيعي تغير حكمها، إذ أصبح لدينا صورة جديدة تأخذ حكمًا آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت