ونحن نعلم أن المصالح التي لم ينص عليها الشارع ، وكذلك الأعراف والعادات التي لم ينشئها الشارع، كل ذلك يمكن أن يتغير من المصلحة إلى المفسدة، فيأخذ حكمًا غير حكمه الأول، لأن الصورة الجديدة ليست تلك الصورة الأولي فتأخذ كل صورة حكمها المناسب لها.
فلماذا الإصرار على أن الحكم قد تغير ، بدلًا من القول أن هناك صورة جديدة تتطلب حكمًا جديدًا؟
وقد يرى البعض أن الخلاف لفظيٌّ. وهو ليس كذلك . إذ القول بثبوت أحكامٍ شرعيةٍ لكل صورةٍ جديدةٍ دليلٌ على شمول الشريعة واستيعابها لكل المستجدات.
أما القول بتغير الأحكام- مع أنه عند التحقيق ليس تغييرًا- فإنه يؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع، والجرأة على تبديل وتأويل ما تقرر من أحكام ، وتَنْصِيب الواقع- بأعرافه وعاداته ومصالحه- حاكمًا على شرع الله.
( المرجع: محاولات التجديد في أصول الفقه ، للدكتور هزاع الحوالي ، ص 605-613) .
الشبهة (13) : قولهم: السُّنَّة منها ما هو عملي ومنها ما هو قولي
قال الدكتور هزاع الحوالي: ( أشَرْنا في مَبحثٍ سابقٍ إلى أن السُّنَّة منها ما هو عملي , ومنها ما هو قولي. وتَحَدَّثْنا عن أقسام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لَدَى جُمهورِ الأصوليين،(356) مع توضيح ما يتعلق به منها تشريع وغيره.
وقد ذهب بعض الأصوليين إلى تقسيم السُنَّة من جهة وجوب العمل بها ، إلى قسمين:
الأول: ما يجب العمل بِمَدلوله مُطْلَقًا ، وهذا أغلبُ سنته صلى الله عليه وسلم .
الثاني: ما يُلْتَزَم فيه بِخُطته ومبدئه صلى الله عليه وسلم في تَحَرِّي حُكم الله فيما لا شاهد قطعًا فيه، وذلك بتحري الوسائل والأسباب الحكيمة. (357) وهو قولٌ مستندٌ إلى ما أورده القُرافيُّ من التفريق بين مَنْصِبَي الإمامة والفتوى، بقوله إن للإمام أن يقضي وأن يفتي- كما تقدم - وله أن يفعل ما ليس بفُتْيا ولا قضاء كجمع الجيوش وإنشاء الحروب وحَوْز الأموال وصرفها في مصارفها ، وتولية الولاة، وقتل الطغاة؛ وهي أمورٌ كثيرةٌ تختص به، لا يشاركه فيها القاضي، ولا المفتي... وظهر حينئذٍ أن القضاء يَعْتمد الحِجاج، والفُتيا تَعْتمد الأدلة، وأن تَصَرُّف الإمام الزائد على هذين يعتمد المصلحة الراجِحة أو الخاصة في حق الأمة. (358)
ثم وضَّح ذلك بم أورده في مسائلَ لاحقة إذ يقول: «إنَّ تَصَرُّفَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالفُتيا هو إخْبارُه عن الله تعالى بما يَجِدُه في الأدلة من حُكْم الله تبارك وتعالى ، كما قلناه في غيره من المفتين. وتصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ هو مُقْتَضى الرسالة. والرسالة هي أمرُ الله تعالي له بذلك التبليغ. فهو صلى الله عليه وسلم ينقل عن الحق للخلق في مقام الرسالة ما وصل إليه عن الله تعالى، فهو في هذا المقام مُبَلِّغٌ وناقِلٌ عن الله تعالى... فلا يَلْزَم من الفُتيا الرِّواية، ولا من الرواية الفُتيا، من حيث هما روايةً وفُتْيا.
وأما تصرُّفُه صلى الله عليه وسلم بالحُكْم فهو مُغايرٌ للرسالة والفُتيا؛ لأنّ الفُتيا والرسالة تبليغٌ مَحْضً واتِّباعٌ صِرْفٌ، والحُكم إنشاءٌ وإلزامٌ من قِبَلِه صلى الله عليه وسلم بحسب ما يَسْنَح من الأسباب والحِجاج...
فهو صلى الله عليه وسلم في هذا المقام مُنْشئ، وفي الفُتيا والرسالة متَّبع مبلِّغ وهو في الحكم أيضًا متَّبِعٌ لأمر الله تعالي له بأن يُنْشئ الأحكامَ على وِفْق الحِجاج والأسباب ، لا أنه متبع في نقل ذلك الحكم عن الله تعالى ، لأنّ ما فُوِّض إليه من الله تعالى لا يكون منقولًا عن الله تعالى...
وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة فهو وصفٌ زائدٌ على النُّبوة والرسالة والفثتيا والقضاء، لأنّ الإمام هو الذي فُوِّضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح ، ودرء المفاسد، وقَمْع الجُناة... وهذا ليس داخلاَّ في مفهوم الفُتيا ولا الحُكم ولا الرسالة ولا النُّبوة، بالتَّصَدي لفصل الخصومات دون السياسة العامة... وأما الرسالة فليس يدخل فيها إلاّ مجردّ التبليغ عن الله تعالي.
وأما آثار هذه الحقائق في الشريعة فمختلفة:
فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش... فلا يجوز لأحدٍ الإقدام عليه إلاّ بإذن إمام الوقت ِالحاضر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة ، وما اسْتُبيِح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعًا مقررً لقوله تعالى: { واتَّبِعوهُ لَعَلَّكُم تَهْتَدُون } (359) .
وما فعله صلى الله عليه وسلم بطريق الحُكم كالتمليك بالشُّفَعة وفُسوخ الأنْكِحة والعقود... فلا يجوز لأحد أن يُقْدَم عليه إلاّ بِحُكم الحاكم في الوقت الحاضر اقتداءَّ به صلى الله عليه وسلم لأنه عليه السلام لم يقرر تلك الأمور إلاّ بالحكم، فتكون أمته بعده صلى الله عليه وسلم كذلك.