فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 4557

وأما تصرفه عليه الصلاة والسلام بالفتيا والرسالة والتبليغ فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين، يلْزَمُنا أن نَّتَّبِع كلَّ حكم ممّا بلَّغه إلينا عن ربه بسببه، من غير اعتبار حكم حاكم ولا إذن إمام » (360) .

والقُرافيُّ من خِلال استعراض كلامِه في هذا المجال يتَّضِح مقصودُه من التفريق بين ما كان حقًا للإمام أو الحاكم فلا يُقْدم عليه إلاّ بإذنه، وما كان غير ذلك ممّا يجب الالتزام به من كل فردٍ من غير اعتبار لحكم حاكمٍ أو إذن إمام. ويؤكد ذلك أيضًا ما أورده من مسائل اختلف فيها الفقهاء حول تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم أَهُوَ من باب التصرف بالأمامة فلابد فيها من إذن الحاكم، أم هو من باب التصرف بالفُتيا فيكون حقًا لكل أحد. ولم يُرِد أنّ تلك المسائل مُخْتَلَفٌ فيها من جهة شرعيتها وعدم الشرعية فيها. ويؤكد ذلك أيضا . ما أشار إليه القرافي في مسائل اجتهاد الحاكم قبل هذه المسألة وضرورة استناده للأدلة الشرعية، وجواز نقضه إذا خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي (361) .

فكل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من السُّنَّة بِوَصْفِه رسولًا ومبلِّغا أو حاكمًا وإمامًا فحُكمُه الاتِّباع والقَبول, إلا أن الاقتداء به فيه على نوعين كما تقدم: عام وخاص ، فالعام ما لم يتوقف فيه على حكم الحاكم أو إذن الإمام وهو كل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من جهة كونه مُبَلِّغًا، والخاص هو ما كان حكمًا وقضاءً. فالاقتداء به فيه متقرر أيضًا، لكنه واجب ٌفي حق الولاة فقط باعتبار أن ذلك الفعل صدر منه صلى الله عليه وسلم بصفته إمام الأمة ، فهو الذي يقضي بينهم، ويقسم الحقوق والعطايا، ويُجَيِّش الجيوش، ويُقِيم الحدود. فالاقتداء به صلى الله عليه وسلم مُتَعَيّن في حق الولاة كلٌ بِحَسَبِ المرتبة، فأمير الغزو يُقْتَدي به فيما يتعلق بأمور الحرب وسياستها الشرعية وأحكامها. وليس لكل أحد مباشرة قسمة الغنائم- مثلًا- بنفسه...

والقضاة يَقتدون به فيما كان خاصًا بالقضاء وليس لكل أحدٍ مباشرة الأمر بنفسه وإنما الأمر متعلِقٌ بالقاضي أو الحاكم (362) .

فهل فُهِمَ من كلام القرفي عدم الاقتداء، أم أن المفهوم هو الاقتداء وإن كان على طائفة مخصوصة في مجال مخصوص؟

نقل بعض العقلانيين النص الوارد عن القرافي وفسَّره تفسيرًا يتفق وما يريده، فقد ذهب محمد عِماره إلى أن السُّنَّة باعتبار التشريع تنقسم إلى سُنَّة العادة، وسُنَّة العبادة ، مُعَرِّفًا الأولى بأنها ما لا إلزام فيها، والثانية بما لا يتغير حكمها (363) .

ثم يَزيد في توضيح الأمر بأن سُنَّة العادة تشمل كل ما خرج عن دائرة العقائد (الغيبيات) أو العبادات؛ إذ الغيبيات والعبادات- عند عِماره- لا تغيير لحكمها بالاجتهاد، وكذلك إذا هي تعلقت بالثوابت الدنيوية (364) .

أما سُنَّة العادة وهي المُتعَلِّقة بفروع المتغيرات الدنيوية فهي مجرد اجتهادٍ نَبويٍّ مُؤَسَّسٌ على العلة. فهذه لا إلزام فيها كما تقدم، بل المُعَوَّل عليه هنا هو المصلحة المستجَدَََّة.

يقول محمد عمارة: « وفي ضَوْء هذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي عن العلاقة - علاقة المُزاملَة بين النص وبين الاجتهاد- مَيَّز المحدِّثون والأصوليون في نُصوص السُّنة النبوية بين سُنَّة العادة- وهي التي لا إلزام فيها- وسُنَّة العبادة التي لا تغيير لحكمها- بالاجتهاد- إذا تعلَّقت بالغيبيات التي لا يَسْتقِل العقل بإدراكها، أو بالعبادات ومن ثَمَّ لا يجوز الاجتهاد في تغيير حكمها، وكذلك إذا هي تعلقت بالثوابت الدنيوية، لانتفاء دوران وتغيُّر عللها...ميزوا بينها وبين السنة التي تتعلق بالفروع من المتغيرات الدنيوية، والتي هي اجتهاد نبوي، فهذه تدور أحكامها مع عللها وجودًا وعدمًا... فيجوز معها وفيها الاجتهاد الجديد تبعا لما يُسْتَجَدُّ من مصالح» (365) . ثم أورد ما نقلناه من نصٍ متقدمٍ عن القرافي، واستنتج منه ما يلي:

أولًا: أن السُّنَّة تنقسم إلى قسمين:

(أحدهما) : سُنَّةٌ تشريعية (أي من الشرع) وهي شاملة للوضع الإلهي في السُّنَّة الخارج عن إطار اجتهاد الرسول. وحكمها الدوام وعدم الاجتهاد فيها.

(الثاني) : سُنَّةٌ غير تشريعية وهي المتعلقة باجتهادات الرسول في فروع المتغيرات الدنيوية سواء اكان في السياسة أوفى الحرب أو في المال، وكل ما يتعلق بإمامته للدولة الإسلامية، أو بقضائه في المنازعات الذي هو اجتهاد مُؤَسَّسٌ على حُجَج أطراف النزاع، وليس وحْيًا معصومًا... وفيها ومعها يجوز الاجتهاد الذي يأتي بجديد الأحكام (366) .

ثانيا: أن تَوَقُّف السُّنة غير التشريعية على حكم الحاكم أو إذن الإمام يعني استئناف الاجتهاد فيها من جديد بواسطة القضاء المعاصر، وإمام الوقت الحاضر لِتَبَيُّنِ مَدَى توافُرِ شروط إِعْمال أحكامها، وموافقة الحال وتحقيق المصلحة (367) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت