وفي مناقشة محمد عماره نبدأ ببيان ما ذكره عماره في موضع آخر من حصر السُّنَّة التشريعية في تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن فقط فهو يقول: «فنحن مطالبون، حتى نكون متبِعين للرسول، بالتزام سنته التشريعية- أي تفسير القرآن- لأنها دِين» (368) فالسُّنة التشريعية التي كانت في النص السابق ما خرج عن اجتهاد الرسول، أصبحت هنا ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم!! أما الأحكام الواردة في السنة ابتداءً فليست من السُّنة التشريعية- عند عِماره- سواءَ تعلَّقت بالعبادات أم المعاملات. وطالما كانت كذلك فالاقتداء بها غير مُلْزِمٌ. يقول محمد عماره: «أما سُنَّتُه غير التشريعية ومنها (469) تصرفاتُه في السياسة والحرب والسلم والمال والاجتماع والقضاء، ومثلها ما شابهها من أمور الدنيا ، فإن اقتداءنا به يتحقق بالتزامنا بالمعيار الذي يُحقِّق المصلحة للأمة، فإذا حَكَمْنا كساسةٍ بما يحقق مصلحة الأمة كُنَّا مُقْتَدين بالرسول، حتى ولو خالفت نُظُمُنا وقوانينُنا ما رُوِيَ عنه في السياسة من أحاديث لأن المصلحة بطبيعتها متغيرة ومتطورة» (370) .
إذن نحن هنا أمام مساحة كبيرة نتحرك فيها بعقولنا وبما نراه من مصالح فقط، سواء اتفقت هذه المصالح مع أحكام الشريعة أم خالفتها، وسواء أكانت مصالح حقيقية كلية أم جزئية مُتَوَهَّمَة. فالمهم هو إضفاءُ الشرعية على كل النظم والقوانين - وإن صادمت النصوص- طالما كانت هذه النظم وتلك القوانين متعلقة بميدان السُّنة غير التشريعية ، وما أوسعه من ميدان عند عماره وأصحابه!!
« وهكذا يصبح- بناء ًعلى فَهم الدكتور- لزامًا علينا عدم الالتفات إلى كافة النصوص الواردة في السياسة والحرب، كأحكام الجماعة، والإمامة، والبيعة، والسمع والطاعة، وأحكام المحاربين والبُغاة، وأحكام المرتدين، وأحكام اليهود والنصارى والمشركين، وعامة أحكام دار الحرب، ودار الإسلام، وأحكام السِّلْم من المعاهدات وضوابطها، وكذلك أحكام الاجتماع، وحفظ نُظُم الدولة، وحدود الله، وفيها أحكام الحدود والتعزيرات ونحوها وشروطها، وأحكام الأسرة في النكاح والطلاق والعدة والرضاع والنفقة وغير ذلك، وأحكام القضاء والشهادة واليمين ونحوها، وكذلك أحكام النظام المالي وأحكام النظام واحكام البيوع... طالما أن المقصود هو أن نعمل بما نرى نحن أنه المصلحة لا ما تراه النصوص » (371) .
صحيحٌ أن هناك من السُّنة النبوية ما يتعلق به الاقتداء والإتباع وهو غالب سنته صلى الله عليه وسلم ، ومنه ما لا يتعلق به اقتداءٌ أو إتباع كما تقدم في الحديث عن بعض أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أشار إليه بعض المحققين مما ليس هو من باب تبليغ الرسالة، بل مرده لرأيه صلى الله عليه وسلم في أمور دنيوية مُسْتندُها التجرِبة كتأبير النخل وطلبه يوم بدر النزول في مكان ظَنَّه صالحًا للحرب، وما فعله صلى الله عليه وسلم بحكم الجِبِلَّة والطبيعة، أو كان خاصًا به صلى الله عليه وسلم ... فهذا لا يَلْزَمُ مِنْه الإتباع ولا يتعلق به تشريع، وهو القليل النادر في سنته صلى الله عليه وسلم.
وأما ما كان من باب تبليغ الرسالة فلا جدال في وجوب الاقتداء به فيه. وغير صحيح أن كل ما يتعلق بالمتغيرات الدنيوية هو من باب سُنَّة العادة وبالتالي تندرج تحت السُّنة غير التشريعية ، فهي دعوى تفتقر إلى الدليل، بل الدليل يصادمها، إذ أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضي كونه حاكمًا أو إمامًا شملت ميادين كثيرة- أشار إليها محمد عماره أيضًا- كالحروب والأموال والحدود والمنازعات والطلاق والنكاح والعقود... فهل تخلو هذه الميادين عن حكم الشرع!!
إن كثيرًا من الميادين المتقدم ذكرها مَنْصُوصٌ على حُكْمه في القرآن والسُّنة، وإنما أدخلها القرافي تحت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضي كونه حاكمًا أو إمامًا ليؤكد على أن من يتولاها هو الحاكم أو الإمام لا عامة الخلق، لا ليثبت القرافي عدم الإلزام في أحكامها كما حاول عماره تفسير ذلك.
ومحاولات عمارة متعددة في تأويل النص حسب الاتجاه، فعندما أورد قول القرافي «فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بأذن إمام الوقت الحاضر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه» قال مُعَلِّقًا ومُؤَوِلا ً «إن ما أُخِذَ عن اجتهاد الرسول، باعتباره إمام الدولة، وليس عن الرسالة المُبَلَّغة، أو الفُتيا المتعلِّقة بها، فمردُه إلى إمام الوقت الحاضر؛ أي الدولة الإسلامية المعاصرة ، التي تَسْتأنف ما ورد فيه من السُّنة غير التشريعية، تُمْضي منها ما لا يزال مُحَقِّقًا للمقاصد، وتَستبدِل أحكامًا جديدةً لما لا تتوافر شروط إعمال حكمه... كل ذلك باجتهاد جديد» (372) .