إنه هلعٌ وخَوفٌ ولَبْسٌ من عَوامِ الفِكر الإسلامي - المقصود أنصار النص- ولا يستند شيئ منه إلى مَنطق أو حُجة يقول: «أما النصوص، قطعية الدلالة والثبوت، والتي تعلقت بأمور هي من الفروع الدنيوية، ومن المتغيرات فيها، والمعللة بعلة غائبة فتلك هي التي يُثير الموقشف منها اللَّبْس الذي نُعالجُه الآن... وفي اعتقادي أن هذا اللَّبْس قائمٌ في نطاق عَوام الفكر الإسلامي وحدهم لأنه- كما سنرى- ليس له منطقٌ أو حجةٌ أو أساس» (376) المنطق هو- إذن- تحكيم العقل وتقديمه على الشرع باعتماد ما يُدْركه العقل وحده من مصالح قد تكون جزئيةً أو مُتَخَيَّلَة، وردُّ النصوص القطعية، أو تأويلها بما يتناسب والواقع المعبِّر عنه بالعادة والعرف.
ولابد من الإشارة إلي مستنده ودليله الذي لم يتجاوز شهادة أهل الاختصاص في الفكر الإسلامي أو بعبارةِ عمارة «أهل الاختصاص في فكرنا الإسلامي» فإن كان مقصده- كما هو المتبادَر- المختصين في فكر عماره العقلاني فهذا هو المُتَوَقَّع منهم ، فأين الدليل إذن؟
وإن كان يُشير إلي علماء الشريعة فقد نقلنا الإجماع- في مباحث سابقةٍ- على أن المصلحة لا يجوز اعتبارها عند مخالفة النص. وسيأتي زيادةُ توضيحٍ لهذا في مبحث المصلحة عند العقلانيين من هذا الباب.
وتكفي الإشارة هنا إلى عدم استقلال العقل بإدراك المصالح، مما يترتب عليه - بالضرورة- عدم اعتبار المصلحة العقلية المصادمة للنص. ومن أدلة ذلك:
أولًا: أن معرفة مقاصد الشرع الكلية المراعية لمصالح العباد، إنما عُرِفَت عن طريق تَتَبُّع الجُزئيات، وهي نصوص الشرع المُتَضَمِّنة للأحكام الشرعية المحققة للمصالح؛ وإذا كانت المصالح معروفةً عن طريق النص فإن إِبْعادَه والاكتفاء بالعقل في تحديد المصلحة هدم للمصلحة ذاتها- باعتبارها مقصدًا شرعيا- بهدم الطريق المُوَصِّل إليها.
ثانيًا: أن العقل في المسائل الشرعية تابعٌ للنَّقْل، فَعَلَيْه الوُقوف عند حدود النقل؛ إذ أن تَعَدِّيْهِ لها إبْطالٌ للشرع (377) .
ثالثًا: أن التشريع هو حق الله الخالص لا يشاركه فيه ملَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، وتشريعه عز وجل هديً ونور ومصلحة تتحقق للملتزمين به، المنفذين لأحكامه، فما حسَّنه الشرع فهو حَسَنٌ ومصلحة، وما قَبَّحَهُ فهو قبيحٌ ومَفسدة. ولو كان للعقل أن يحقق الهداية وحده، ويتَّعَرَّف على مصالح الناس وحده ، لما كان إرسال الرسل وإنزال الكتب. صحيحٌ أن العقل يعرف القُبْح والحُسْن في الأشياء ، لكن المؤَكَد أن معرفته لها معرفة ٌإجمالية لا تنفذ إلى التفصيلات المتعلقة بالزمن والمكان والأفراد والجماعات. أما شرع الله العليم الخبير فهو المتضَمِّن للمصلحة الحقيقية الشاملة التي يَقْصُرُ العقل عن الإحاطة بها والتعرف على جميع جوانبها.
وقد أشار إلى ذلك ابن القيم (378) - رحمه الله- بقوله: «بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حُسْنَ ما أتى الشرع بتفصيله، أو قُبْحَه، فيدركه العقل جملةً ، ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حُسْنَ العدل ، وأما كون هذا الفعل المُعَيَّن عدْلًا أو ظلمًا فهذا مما يَعْجَز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد. وكذلك يعجز عن إدراك حُسْنِِ كل فعل وقبحه. فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتَبْيِينه، وما أدركه العقل الصريح من ذلك تأتي بتقريره. وما كان حسنًا في وقت قبيحًا في وقت ، ولم يَهْتَدِ العقل لوقتش حُسْنِه من وقت قبحه أتَتْ الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه. وكذلك الفعل يكون مشتملًا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك. فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة ، وتنهى عن راجح المفسدة. وكذلك الفعل يكون مصلحةً لشخصً ، مفسدةً لغيره، والعقل لا يدرك ذلك. فتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحةٌ له، وفي ضِمْنِه مصلحةٌ عظيمةٌ، لا يهتدي إليها العقل، فلا تُعْلَمُ إلا بالشرع: كالجهاد والقتل في الله. ويكون في الظاهر مصلحة، وفي ضِمْنِه مفسدةً عظيمةً لا يهتدِي إليها العقل، فتجئ الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة » (379) .
وهكذا نتأكد من كون العقل قاصرًا عن إدراك المصالح في كل الظروف والأحوال. فإذا تقرَّر هذا يتقرَّرُ قَبْلُه ومَعَهُ وبَعْدَهُ أن نصوص الشريعة وأحكامها هي الطريق الحقيقي الموصِّل للمصلحة الحقيقية.
لا نقول هذا تَغْيِيبًا للعقل ودوره، بل تقريرًا لحكم العقل نفسه القاضي بأن مصلحة الخلق كامنةٌ في شرع الله. فكيف يبقى هذا الحكم قائمًا مع القول بتجاوز النصوص من أجل مصلحة تَوَهَّمَها العقل ولم يتضمنها النص؟