فهرس الكتاب

الصفحة 846 من 4557

ثم إننا ندرك أن العقل يتكَوَّن في أحضان البيئة، فيتأثر بأنماطها وأفكارها وسلوكياتها مما يجعل أحكامه بعيدةً عن الحياد والموضوعية، فتأتي مصالحه على هذا التصور؛ ولذا فإن العقلانيين كثيرًا ما يقيسون المصالح بمقاييس الواقع والظروف وملائمة الأحوال ومسايرة العصر، ويدعون أن هذه مصالح تَعَرَّف عليها العقل وحَكَم بها، ثم يَضَعونها في مواجهة مع النص الذي يتضمن مصلحة حقيقية، ولحرصهم على تغليب جانب الواقع والظروف الراهنة ومسايرة العصر، تراهم يُعْلُون من شأن ما تَوَهَّمُوه من مصالح، مُؤَكِّدين على أنها نتاج النظرة العقلية الموضوعية ، وما دامت كذلك فهي مصلحة عامة لقبول كل العقلاء لها ، وطالما كانت عامة فَلْيَغِب النص الجزئي، ولتكن المصلحة الجديدة هي حكم الشرع ومقصده. وهذا هو الاجتهاد الجديد: إلغاء للنصوص بإلغاء أحكامها، بناء ًعلى عدم توافر الشروط المناسبة لتطبيقها، والبحث عن حكم ما من الأحكام ، والبحث عن حكم ما من الأحكام المتماشية مع العصر وأحواله، المحققة للرغبات، والمُضْفِيَة على كل المُمارسات لباسَ التشريع ، بِدعْوَي أن هذه هي المصلحة، والمصلحة مقصد شرعي عظيم!!

أما قول محمد عماره عن تبدل العادة وتطور العرف وأثر ذلك في إلغاء حكم النص- حتى ما كان قطعي الثبوت والدلالة- أو تأخيره...

فالرد عليه ببيان أن اختلاف العوائد لا يؤثر في الأحكام المنتظمة لها ، أي أن العوائد لا تخرج عن أحكام الشرع، فإذا تعلق حكم شرعي بعادة ما ظل مرتبطا بها على الدوام، فإذا لاحظنا اختلافا في العادة فلا نقول بأنها العادة الأولي قد تغيرت ليتغير حكمها المرتبط بها ، بل نقول بأنها عادة أخري تعود لأصل شرعي آخر يحكم به عليها ، فتظل كل العوائد محكومة بالشرع . وهو ما أشار إليه الشاطبي بقوله: «واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبَديٌ، لو فُرِض بقاءُ الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد . وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلف رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها، كما في البلوغ مثلًا، فإن الخطاب التكليفي مُرْتَفِعٌ عن الصَّبِيّ ما كان قَبْل البلوغ ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف . فسقوط التكليف قبل البلوغ، ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب ، وإنما وقع الاختلاف في العوائد، أو في الشواهد » (380) .

أما اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال والأزمنة فيكفي هنا ما ذكره الدكتور عابد سُفْياني (381) بقوله: «إنَّ تَغَيُّر الأحوال والأزمنة لم تُغْفِله الشريعة بل وضعت له أحكامًا تخصه... فاختلاف الأزمنة التي تأتي على المسلمين فترة القوة، وفترة الضعف جعل الله لكل زمنٍ حكمًا يخصه في حال القوة، وكذلك في حالة المجاعة والحاجة، وفي حال الاكتفاء... ولا تَعْنِي مراعاة الشريعة للأزمان والأحوال والقدرات أنها تركت تحديد المصلحة وتشريع الحكم للعقل البشري، كَلاَّ فإنها لم تَتْرك ذلك له ، لا في العبادات ولا في المعاملات...

وإِنَّ تَغَيُّر الفَتْوى إذا تغير تحقيق المَناط لكي تَنْتَظِم كلُّ واقعةٍ تحت حُكمِها الشرعي ، لا صِلةَ لَهُ البَتَّةَ بتغير أحكام الشريعة بزعم تغير المصالح بتغير الأزمنة، ومن هنا فإن الفقه الإسلامي يتجدد ولا يَجْمُد ، حيث يأخذ كل واقعة بخصوصها فيدخلها تحت حكمها الشرعي حسب تحقق منَاطها ، فإن جاء زمنٌ آخر تجددت تلك الواقعة على صورةٍ أخرى وتغير تحقيق مناطها ، وُضِعَت تحت حكمها الخاص بها وهكذا... ولكل واقعةٍ بحسب تحقق مناطها، حكمٌ ثابتٌ يحقق المصلحة في جميع الأزمان » (382) .

وإذا كان محمد عماره يرى أن السُّنة يُؤْخَذُ منها ويُتْرَك وِفْقَ المعيار الذي تبَنَّاه. فإنَّ لمُحَمَّد إقْبال رَأيًا آخر أَكْثرَ تَطَرُّفًا:

فهو يُقِرُّ بأنَّ هناك أحاديث تتضمن أحكامًا تشريعية، وأحاديث ليس لها طابعٌ تشريعيٌ. ولم يقف عند القسم الثاني. أما القسم الأول: وهو ما تضمن أحكامًا تشريعية فلم يذهب مذهب «عماره» في عَدِّهِ من السُّنة التشريعية بشرط أن يكون تفسيرًا للقرآن الكريم- كما تقدم- بل يرى إقْبالُ عَدَمَ الأخْذِ بالأحاديث مطلقًا في تقنين الأحكام المعاصرة.

وحُجَّتُه أن الرسول صلى الله عليه وسلم في مُحَاولَته لِبناءِ شريعةٍ عالميةٍ تشمل الشعوب المختلفة، كان لابد له من جعل أُمةٍ مُعَيَّنة نواةً، فَيُعَلِّمَها ويُطَبِّقَ المبادئ التي ينادي بها على حالاتٍ واقعيةٍ، في ضَوءِ العادات المُمَيِّزة للأمة التي هو فيها، وأحكام الشريعة الناتجة عن هذا التطبيق هي أحكامٌ خاصةٌ بتلك الأمة، إذ ليست مقصودةً بذاتها، وإنما المقصود ما تهدِفُ إليه من مبادئ، فلا مَجال لفَرْضِها على الأجيال المقبلة (383) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت