فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 4557

إنه الادِّعاء ذاته الذي يَشْغُبُ بِه العقلانيون: استلهام المبادئ العامة والمقاصد الكبرى دون النصوص والأحكام الجزئية!!

إنه لأمْرٌ عجيبٌ أن نَسْتنَتِْج المبادئ والمقاصد من أحكام الشريعة الجزئية ونصوصها التفصيلية، ثم نَأْبَى تطبيقَها في عَصْرِنا الحاضر بشدَعْوَى أنها لم تَعُدْ مُحَقِّقة للمصالح التي حققتها فيما مضي من الأزمان، وأن المصلحة لا تتحقق إلا من خلال ما نَسُنُّه من أحكامٍ، أو نُقَنِّنُه من قوانين!!

لقد غدا الفكر البشري- عند العقلانيين- أشمل وأهدَى وأرْحَمَ وأنْفَع للبشرية من تشريع الخالق العالم الخبير!!

وتطَرُّف إِقْبال ليس قاصرًا على رأيه فقط ، بل يتناول جرأته على الزَّعْم بأنَّ أبا حَنِيفَة- رحمه الله- لم يَعْتمد على الأحاديث التشريعية لِمَا يراه من أنها خاصةٌ بالعرب في عصر الرسالة، وعالميةُ الإسلام تَمْنَعُ من اعتمادِ ما فيها من أحكام.

وقد رُمِيَ أبو حنيفة- رحمه الله- بِمُخالفَةِ السُّنَّة ودافَعَ عنه غير قليلٍ من العلماء (384) .

ولم يَقُلْ أحدٌ- قَبْلَ إِقْبال فيما نعلم- بأن عدَمَ احتجاج أبي حنيفة ببعض الأحاديث كان لرأيه بأنها خاصة بعصر النبي صلى الله عليه وسلم .

ويَخْلُص محمد إقبال إلى أن «موقف أبي حنيفة على الجملة من الأحاديث التي تشتمل على أحكام تشريعية بَحْتَةٍ هو في نظري موقف جد سليم. وإذا رأى أصحاب النزعة الحرة في التفكير العصري أنه من الأسلم ألا تُتَّخذ هذه الأحاديث من غير أدني تفريق بينها أساسًا للتقنين، فإنهم يكونون بذلك قد نهجوا منهج رجلٍ من أعظم رجال التشريع بين أهل السُّنة » (385) .

وهكذا يتطور النظر العقلاني في سُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم:

فبعد أن بدأ الأمر برَدِّ خبرِ الآحاد في مجال العقائد وقبولِه في الفروع بشرط موافقته للقرآن الكريم نجد الشيخ محمد الغزالي يَنْصِبُ مِيزانًا جديدًا للاهتداء إلى الصحيح من الأحاديث ، هذا الميزان هو «فِطْرة الشيخ» وهي هنا تعني ذوقه المُنْبَجِسُ من العاطفة والعقل، أو رأيه المستند إلى العقل وضغط الواقع. ومع هذا فليس ما صح بهذا الطريق، أو هذا الميزان، مقبولًا عند الشيخ في بعض القضايا الخطيرة التي لم يذكر تفصيلًا لها، والتي لابد فيها من حديثٍ متواترٍ، أو شبيهٍ بالمتواتر، إذ لا يكفي فيها حديث آحاد حتى مع جلالة راويه!!

ثم نري الدكتور رفيق العجم يُضِيف شَرْطَين آخَرَين لِقَبول الحديث هما: اتفاقه مع رُوح الشريعة، واتفاقه مع مُعْطيات القرآن الكريم. وهما شرطان يقصد بهما رد الأخبار الصحيحة متواترة كانت أم آحادًا. نقول ذلك بعد استعراضنا للتحليل الذي قال به العجم، وأشرنا إليه سابقًا.

ثم أتى محمد عماره لِيُقَسِّمَ السُّنة إلى تشريعية وغير تشريعية جاعلًا القسم الأكبر منها غير تشريعي لتعلقه بالدنيا وأحوالها ومجالاتها، وقَصْرِه للتشريعي على ما تعلق بالعقائد والثوابت من العبادات.

ثم أعلن نظريته المُبْتَكَرة في الاجتهاد القائلة بالاجتهاد في النص قطعي الدلالة والثبوت اجتهادًا يغير حكمه أو يرفعه حينًا دون آخر ، مؤكدًا على نجاح النظرية بموافقتها على بقاء النص دون إزالة أو تغيير!! وأظنه يريد منا أن نشكرَه على موافقته على إبقائه على النصوص دون نَسْخٍ لها لِنَتَمَكَّن من التعبُّد بها في صَلواتِنا، كما يقول!!

ثم يأتي محمد إقبال لِيُعْلِنَ في جُرْأَةٍ ما خَشِي الآخرون إعلانه؛ إذ يقول بأن تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية غير مُجْدٍ البَتَّة، وتَرْكُها، وعدم جعلها أساسًا للقوانين هو الأولى؛ لأنها بتفصيلاتها خاصة بالأمة التي عاصرت الرسول صلى الله عليه وسلم فقط. وكأنه رأى أن هذه الجُرْأة لم تُحْدٍث الاستجابةَ المرغوبة، أو حتى الهِزَّة الفكرية التي يريدها ، فتَمادَى في تضجرئه ليؤكد أن هذا ليس رأيًا له فحسب ، بل قال به الإمام أبو حنيفة- رحمه الله- وجعله أساس مذهبه!!

وباطلاعٍ يسيرٍ على أصولِ مذهبِ الإمام أبي حنيفة- رحمه الله- ينكشف هذا الزيف، وتَبْطُل تلك الافتراءات.

وكثيرون أولئك الذين نهجوا هذا النهج ممن يُوصَفُون بالمُفَكرين الإسلاميين وقد تَتَبَّع أقوالهم باحثٌ مُعاصِرٌ وعَقَّب عليها بما يلي: «ونكْتفي بما أوردنا من أمثلةٍ

تدل على هذا المُنْعَطَفِ الخطر في طريق ديننا وعقيدتنا، من أبناء جِلْدَتنا، والناطقين بِلُغَتِنا، وهذا الفريق من الكُتَّاب المسلمين الذين رَكَّزُوا جهودهم على مُخالفة الأئمة الأعلام السابقين، وأعْطَوا أنْفُسهم حق الاجتهاد تفسيرًا وتأويلًا ، وقد أعطوا أنفسهم حرية القول وفق أفهامهم فوصلوا إلى الخطأ في القول ، والشطط في الاجتهاد في مذهبهم الذي تمذهبوه. وذلك ليصلوا إلى مرتبة النُّبوغِ الذي من أعظم وأسهل شروطه ضعف الدين. وضعف الدين أضمن للنجاح في مضمار الثقافة العصرية من قوة العلم » (386) .

( المرجع: محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته ، للدكتور هزاع الحوالي ، ص 344-360) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت