وأقول: بل هذا كذب صريح , لأن الشيطان ليس له سلطان على الأنبياء وعلى عباد الله المخلصين بنص القرآن الكريم حكاية عن الشيطان الرجيم: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } ص82 - 83 , وكما أن الشيطان لم يمس المسيح وأمه جعل الله هذه الكرامة والفضيلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم , فلقد قال عليه الصلاة والسلام:"أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله باسم الله , اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا , ثم قدر بينهما في ذلك أو قضي ولد لم يضره شيطان أبدا" ( أخرجه البخاري ومسلم وبقية أصحاب السنن ) .
فصل: في قوله تعالى ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا )
يقول النصارى في رسالتهم: ( فالمسيح ولد من مريم العذراء وبدون علاقة مع رجل لأن الله نفخ من روحه في العذراء البتول فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذي ولد من روح الله. والقرآن يشهد على ذلك:"وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ"(سورة التحريم 12) ) .
والنصارى في هذا الأمر قد ضلوا وأضلوا , وحسبنا أن ننقل ما قاله القمص المطموس صاحب العقل الملحوس زكريا بطرس في إحدى حلقات برنامجه ( الموكوس ) : أن الله كيان وفيه روح والمسيح هو هذه الروح !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( أما قوله تعالى:( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا ) وقوله في سورة الأنبياء: (وَالّتِيَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لّلْعَالَمِينَ 91 ) فهذا قد فسره قوله تعالى: ( فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمََنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا ) ( مريم 17 - 19 ) .
وفي القراءة: (لاَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا ) ( مريم 19 ) .
فأخبر أنه رسوله وروحه - أي جبريل عليه السلام - وأنه تمثل لها بشرًا , وأنه ذكر أنه رسول الله إليها , فعلم أن روحه مخلوق مملوك له , ليس المراد حياته التي هى صفته سبحانه وتعالى .
وكذلك قوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا ) ( التحريم 12 ) , وهو مثل قوله في آدم عليه السلام (فَإذَا سَوّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ) ( الحجر 29 ) , وقد شبه المسيح بآدم عليه السلام في قوله: (إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ ) ( آل عمران 59- 60) .
والشبهة في هذا نشأت عند بعض الجهال من أن الإنسان إذا قال: روحي , فروحه في هذا الباب هى الروح التي هى في البدن , وهى عين قائمة بنفسها , وإن كان من الناس من يعني بها الحياة , والإنسان مؤلف من بدن وروح , وهى عين قائمة بنفسها عند سلف المسلمين وأئمتهم وجماهير الأمم .
والرب تعالى منزه عن هذا , وأنه ليس مركبًا من بدن وروح , ولا يجوز أن يراد بروحه ما يريد الإنسان بقوله: روحي , بل تضاف إليه ملائكته وما ينزله على أنبيائه من الوحى والهدى والتأييد , ونحو ذلك ) ( الجواب الصحيح 2 / 116 ) .
فصل: في قوله تعالى ( اللّهُ الصّمَدُ )
قوله تعالى واصفًا ذاته ( الصّمَدُ ) به من الإعجاز ما يُرَدُ به على من جعل الله جل في علاه مركبًا من بدن وروح كالنصارى في فهمهم لآيات القرأن الكريم , فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن سوء فهمهم راجع إلى جهلهم المبين بذات رب العالمين !
فظنوا أن ( مِن رّوحِنَا ) أى من روحه التي في بدنه تعالى الله عما يصفه به الجاهلون !
والذي ساعد في ظهور هذا التجسيم هو ما يوجد في كتابهم في وصف الرب جل في علاه, مثل أن موسى يرى أجزاء الله المؤخرة:"ثم ارفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا يرى" ( الخروج 33-23 ) أو أن يعقوب تصارع مع الله وقدر عليه:"فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل اسرائيل لأنك جاهدت مع الله و مع الناس وقدرت" (التكوين 32-23) أو أن الله مثل الإنسان الثمل:"فاستيقظ الرب كنائم كجبار معيط من الخمر" ( مزامير 78- 65 ) أو أن الله ينفث دخانًا من أنفه ويطير في الهواء على ظهر الملائكة:"فارتجت الأرض وارتعشت , أسس السماوات ارتعدت وارتجت لأنه غضب , صعد دخان من أنفه ونار من فمه أكلت , جمر اشتعلت منه , طأطأ السماوات ونزل وضباب تحت رجليه , ركب على كروب وطار ورئي على أجنحة الريح" ( صموئيل الثانى 22: 8 - 11 ) , تعالى الله عما يصفون !
فجاء لفظ ( الصمد ) بمعانيه النيرة لترد على هؤلاء المبطلين !