فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونقول بحول الله وقوته: أما قولكم: ( دعي المسيح"كلمة الله"في القرآن: { إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } آل عمران45 , وقال القرآن أيضًا: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } النساء 171 ) فهذا ظاهر فيه خبثكم وتحريفكم , فالآية الأولى لا يظهر فيها أن المسيح هو كلمة الله لكن يظهر فيها أنه بكلمة الله كان وهذا واضح في قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ) ولكنكم كعادتكم تحاولون أن تنثروا التراب في العيون فتعمى بعض الشيء عن تحريفكم!
وأما استدلالكم بالآية الثانية فباطل لعدة وجوه , منها: أنكم لم تذكروا الآية كاملة وهى قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ * لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا } النساء171 , والآية فيها من الأدلة ما يبين أنكم محرفون كذابون , إذ بدأ الله الآية موجهًا خطابه إليكم , ناهيًا إياكم عن الشرك به والكذب عليه , وعن المغالاة في دينكم , ثم بين أن مغالاتكم في دينكم تظهر على سبيل المثال لا الحصر في معتقدكم أن المسيح إله , فنهاكم عن ذلك وبين حقيقة المسيح حين قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ ) أي أنه بشر رسول من عنده ولا يزيد على ذلك , وأنه (كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) أي خلقه بكلمة القدرة التي ألقاها إلى مريم وهى قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} آل عمران47 , وقال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } البقرة117 , ولهذا قال تعالى في سورة مريم: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا } مريم21 , ولهذا لما مدح الله مريم عليها السلام قال عنها: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} التحريم12-أي بوعده وقدرته جل في علاه والتي منها خلقه لابنها , فالمسيح صار بالكلمة وليس هو الكلمة , وقال تعالى: (وَرُوحٌ مِّنْهُ) وسيأتي بيانها , ثم أعقبها المولى جل وعلا بدعوة التجديد الإيماني لنقضكم أصول الإيمان جملة وتفصيلًا وكفى بعقائدكم دليلًا , فقال تعالى: ( فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) أي كيف يكون له ولد وهو الله الذي ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا ) .
ولهذا لم تنقلوا الآية كاملة لعلمكم اليقيني أن فيها خزيكم وكشف باطلكم , ثم جاءت تعقيبات رب البرية في كشف الحجج النصرانية , فقال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا } النساء172 .
وقال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ * مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} آل عمران 79-80 , قال الإمام فخر الدين الرازي في تعقيبه على الآيات: (اعلم أنه تعالى لما بين أن عادة أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أنه من جملة ما حرفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الألهية ) ( التفسير الكبير 2/109 ) .