فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن هذا التجسيم والتمثيل والتشبيه درب من دروب الكفر الذي يمتليء به الكتاب المقدس, ولهذا عندما تعرضوا لآيات الذكر الحكيم كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } النساء171 . جسدوا الوصف كعادتهم فظنوا أن المسيح روح الله التي في كيان الله والعياذ بالله , وبمعنى أخر فهم ظنوا أن ( من ) في الآية للتبعيض !
ولهذا قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ( قوله تعالى(وَرُوحٌ مِّنْهُ) كقوله في سورة الجاثية: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الجاثية13 . أي من خلقه ومن عنده وليست ( من ) للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة , بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى...وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: { هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ } الأعراف73 . وفي قوله: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } البقرة125 ) ( تفسير ابن كثير 2/294 ) .
فالله ليس كمثله شيء حتى نشبهه بالإنسان المركب من كيان وروح , إنما المقصود روح من خلقه جل وعلا , فكل منا بداخله روح من الله أي من خلقه جل في علاه , كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجه الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ... ) , وهذا عين ما حدث لمريم عليها السلام , فلو طبقنا منهج النصارى في الفهم المادي لأصبح كل واحد منا هو الله وروحه التي في كيانه والعياذ بالله !
وقال الألوسي رحمه الله: ( حكي أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا للرشيد ناظر على بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى ، وتلا هذه الآية:( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) فقرأ الواقدي قوله تعالى: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) الجاثية13 . فقال: إذًا يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءًا منه سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا ، فانقطع النصراني فأسلم ، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا ) (روح المعاني 6/25 )
وقولهم أن هناك فارق بين قوله تعالى حكاية عن آدم عليه السلام: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} السجدة9 , وقوله تعالى حكاية عن المسيح عليه السلام: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } النساء171 , غلط محض , وأكبر دليل على أنه لا فارق بينهما هو القرآن الكريم ذاته , إذ ساوى في آية صريحة بين خلق آدم عليه السلام وخلق المسيح عليه السلام فقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } آل عمران59 , وهذا رد قاطع فصل ما هو بالهزل , يبين الحقيقة في أوضح صورة .