فهرس الكتاب

الصفحة 906 من 4557

سادسا: جناب القُمّص، ومن يستخرجون له المواد التي يستعملها، لديهم ولع شديد باستخراج بعض التفاسير التي تتفق مع مفاهيمهم المغلوطة، ثم يتولى جناب القُمّص تقديمها على أنها المعنى الوحيد الذي يجمع عليه كل المفسرين وكل المسلمين. وهو بذلك يخدع المشاهد لأنه يوحي إليه بشيء يغاير الحقيقة، ولا يقول له إن رأي المفسرين ليس هو رأي القرآن، وإنما المفسرين اجتهدوا، منهم من أصاب ومنهم من أخطأ، فمن أصاب له أجران ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد، ولكن كلام المفسرين ليس ملزما للمسلمين. وهنا يختلف المسلمون عن النصارى، وخاصة أتباع المذهب الأرثوذوكسي والكاثوليكي، حيث يتحتم على الجمهور المسيحي قبول تفاسير البابوات وتفاسير المفسرين. ولكن الإسلام لا يُلزم المسلمين بمثل هذا المبدأ أبدا.

وأخيرا، أقول عن حديث الإفك الذي قدمه لنا القُمّص زكريا بطرس ما قاله القرآن المجيد عن حديث الإفك الذي أذاعه بعض الموتورين من المنافقين، حيث قال تعالى عنه لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ[. إن جناب القُمّص أتاح لنا فرصة عظيمة لكشف ألاعيب المسيحية المغلوطة التي يؤمن بها، كما أنه أتاح أيضا فرصة عظيمة للكثير من المسلمين الذين كانوا تحت تأثير فهم خاطئ لبعض الأمور في التراث الإسلامي أن يصححوا مفاهيمهم. وأيضا أتاح فرصة عظيمة للمسلمين أن يتّحدوا للدفاع عن دينهم وشرف نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وكرامة الكتاب المجيد الذي يؤمنون به.

أيها المسلمون في كل مكان! لقد دق ناقوس الجهاد من أجل نصرة الدين، ليس بالسيف ولا بالسنان، ولا بالعنف والإرهاب، ولا بالتكفير والتفجير، ولكن بالمنطق وباللسان، تماما كما فعل جناب القُمّص، الذي كثيرا ما كانت جراحات لسانه أشد وطأة وأكثر خطرا من جراحات السيف والسنان. إنني أدعو المسلمين جميعا أن يهبوا لهذا الجهاد المجيد، وليطرحوا خلافاتهم جانبا، وليتناسوا ولو مؤقتا، ما يفصلهم عن بعضهم البعض، وليتخلوا عن أساليب التكفير لبعضهم البعض، ولنتحد جميعا لمواجهة هذا الخطر الجديد، الذي كشّر عن أنيابه، وكشف عن مخالبه، وظن أن الإسلام والمسلمين قد صاروا لقمة سائغة يمكن أن يلوكها أو يتلمّظ بها. وندعو الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يوحّد كلمتهم، وأن يكفيهم شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، وأن ينصرهم نصرا عزيزا على كل من تسوّل له نفسه أن ينال من شرف سيدهم وحبيبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يدنس طهارة وقدسية كتابهم العزيز، أو يحط من شأن دينهم الكريم الذي ارتضاه الله لهم. وفقنا الله، ووفق الله المسلمين في عمل كل ما فيه رضاه، ونصرهم سبحانه على أعدائهم وأعداء الدين. آمين.

تكلم جناب القُمّص زكريا بطرس في بداية حديثه في سلسلة"أسئلة عن الإيمان"عن فكرة الثالوث، وبيّن أن المسيحية التي يؤمن بها لا تدعو إلى عبادة ثلاثة آلهة، وإنما هو إله واحد في ثلاثة أقانيم. وراح على مدى أربع حلقات يحاول شرح هذه الفكرة مستخدما أسلوبه الجذاب مع السيدة ناهد محمود متولي. وكما بينتُ في الحلقة السابقة، كان أسلوب جناب القُمّص يقوم على ست قواعد، ولا مانع من الإشارة السريعة إليها لتذكير المشاهد الذي لم ير الحلقة الماضية، بالأسلوب المنطقي المغلوط الذي يستعمله جناب القُمّص، إذ يعتمد في حديثه على ما يلي:

أولا: سوء تفسير بعض المقتبسات من الكتاب المقدس ليخرج بمعنى لا يحتمله النص.

ثانيا: يقدم أفكار تبدو أنها صحيحة ولكنها تقوم على أساس خاطئ، ثم يخرج منها بقاعدة يبني عليها عقيدة.

ثالثا: يخلط كثيرا بين الحقيقة والمجاز.

رابعا: يتعمد تحريف النص لاستعماله في إثبات وجهة نظره.

خامسا: يتهم المشاهد المسلم بأنه لا يقرأ، وأنه إذا قرأ لا يفهم، وإذا فهم لا يقبل الحقيقة.

سادسا: يستخدم أراء بعض المفسرين ويعتبرها ملزمة لجميع المسلمين، كما هو الحال عندهم في المسيحية حيث يلتزم شعب الكنيسة بتفسير المفسرين.

وبعد الحلقات الأربع الأولى عن التثليث، راح جناب القُمّص يحدثنا في أربع حلقات أخرى عن التجسد، وكيف أن الله قد تجسد في جسد يسوع، وشرح السبب الذي دعاه إلى ذلك وهو تحقيق الكفارة، وهي أن المسيح قد مات على الصليب فداء عن الناس، وبذل نفسه كفارة عنهم ليغفر الله لهم الخطية التي ورثوها عن آدم. وعلى مدى ست حلقات أخرى، حدثنا جناب القُمّص عن الكفارة وشرح أن الكفارة هي المحور الذي يدور حوله الكتاب المقدس كله، وهي العمود الفقري الذي تقوم عليه المسيحية. ولذلك رأيتُ أن أبدأ بتناول هذه الحلقات الست التي تتعلق بالعمود الفقري الذي تقوم عليه المسيحية التي يؤمن بها جناب القُمّص، لنرى في النهاية هل هناك فعلا أساس سليم وقوي تقف عليه هذه المسيحية، أم أن عمودها الفقري مخلوع ومفكك ولا ترتبط فقراته بعضها ببعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت