فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والهوان والهلاك للإنسان، ولذا يحذر الله تعالى بني آدم فيقول يَا بَني آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ (أي من جنة شريعة الله التي فيها ينالون رضوانه) يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا (أي لباس التقوى والقرب من الله تعالى) لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا[ (الأعراف:77) . وهنا لمحة جميلة تبين حكمة العقاب والغرض منه، فالغرض من نزع لباس التقوى ليس هو الانتقام أو التشفّي أو إيقاع الضرر، وإنما لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا[ أي لكي يري المخطئ نتائج خطئه قبل أن يراها الآخرون، ويدرك المسيء عواقب إساءته قبل أن يفتضح أمره، فيعمل على تدارك الأمر، ويلتمس تغطية تلك السوءة بالتوبة وبالاستغفار، أي بطلب استعادة لباس التقوى لكي يغطي به تلك العورة التي بدت له، فلا تظهر أمام الآخرين.
ما أعظم هذه التعاليم، وما أسمى هذه المفاهيم، وما أروع هذه التوجيهات، وما أنبل هذه الإرشادات، وما أحلى هذه الاستعارات، وما أجمل هذه الكنايات والتشبيهات، التي تعطي الكلام روعة وحلاوة، وتكسبه جمالا وطلاوة. ولك يا جناب القمّص أن تقارن بين ما يقدمه القرآن المجيد من تعاليم ومفاهيم، وبين ما يقدمه الكتاب المقدس من حكايات وأساطير، على الأقل فيما يختص بقصة آدم وجنته. فإذا نظرت إلى كتابك بعيون الكناية والمجاز، فلعلك تجد في القصة شيئا يستحق الاهتمام، وإذا نظرت بعيون المادية والحرفية، فلن تجد في القصة إلا خرافة وأوهام.
ومرة أخرى أطلب من حضرات القراء أن يتفكروا فيما أقول، وليقارنوا بين ما سمعوه من جناب القمّص في شرحه وفهمه للكتاب المقدس، وبين ما قدمت من شرح وفهم للقرآن المجيد. ثم لهم بعد ذلك أن يقرروا أي المفاهيم هي التي تليق بجلال الله تعالى، وأي التعاليم هي التي يمكن أن تصدر عن إله الحكمة والمحبة والرحمة. عسى أن يوفق الله الجميع لما فيه الخير والسداد، ويهدي القلوب إلى طريق الحق والرشاد. آمين.
والموضوع الذي نعالجه هو موضوع خطية آدم التي يدّعي جناب القمّص أن الجنس البشري كله قد ورثها منه، وأن الله قد جعل عقوبة لهذه الخطية وهي الموت، ولذلك يعتقد جناب القمّص بحسب التعاليم التي يؤمن بها من الكتاب المقدس أن الجنس البشري كله أصبح يستحق العقوبة لأنه ورث الخطية، ولما كان الله قاضيا عادلا، فإن عدله يستلزم تطبيق العقوبة. غير أن الله رحيم أيضا، ورحمته تريد أن تغفر هذه الخطية، لأنه يحب بني آدم، ولكن وقف العدل في الطريق، ومنع الله من ممارسة صفة الرحمة حتى يطبق العدل أولا. وهكذا، يصوّر لنا جناب القمّص الله تعالى وكأنه قد أصبح في ورطة شديدة ويريد أن يجد منها مخرجا.
يقول جناب القمّص أن آدم وحوا عصيا الله، وأكلا من شجرة معرفة الخير والشر التي نهاهما عنها، ونتيجة لذلك، لعن الله الأرض بمن فيها، وقال إنها سوف تنبت شوكا وحسكا، وإنه ينبغي على الإنسان أن يأكل من عشب الحقل، ويأكل خبزه بعرق جبينه كل أيام حياته، كذلك فقد أظهر الرب الإله غضبه على حواء وعلى كل نساء العالمين، فقال إنه سوف يكثّر أتعاب حبلها ويجعلها تلد بالوجع، ويكون اشتياقها إلى الرجل الذي جعله يسود عليها. ويستغرب الإنسان العادي من هذا الغضب المتفجر الذي صبّه الله على رأس آدم وحواء، مع أن جناب القمّص يقول لنا إن الله قاض عادل، ولم يكن في حيثيات الحكم سوى أنهما إذا أكلا من الشجرة فسوف يموتان، دون أي ذكر للعنة الأرض، أو تكثير آلام الحبل، أو وجع الولادة، أو الأكل بعرق الجبين. بل لقد أصاب بركان الغضب الذي تفجر جميع الثعابين والحيات في العالم، إذ صدر حكم ذلك الرب الذي يقول عنه جناب القمّص إنه قاض عادل، بأن تمشي الثعابين على بطنها وتأكل ترابا، وذلك لمجرد أن الشيطان اتخذ صورة الحية عندما أغوى آدم وحواء. ولكن ما ذنب الثعابين والحيات في العالم، وما هي الخطيئة التي ارتكبوها؟ لكن العجيب في الأمر أننا لا نرى أي حية تأكل ترابا، بل تأكل حيوانات أو طيور أو حشرات، ولكن لا توجد في العالم كله حية واحدة تأكل ترابا، فماذا حدث لهذا الشق من الحكم؟ هل نسي الله تطبيقه أم أنه غفر للحيات ولم يغفر لآدم وحواء؟ هل لديك جواب يا جناب القمّص؟؟
ويتفضل جناب القمّص فيشرح لنا معنى حكم الموت الذي صدر على آدم وحواء، وبالتالي حسب زعمه، على جميع أفراد الجنس البشري كله، فيقول:
"إيه الموت ده؟ نوعه إيه؟ (ثم يتولى جناب القمّص الإجابة على نفسه فيقول) الموت ده.. حكم الموت ده له 3 أنواع، مهمين أوي إن احنا نعرفهم عشان حيترتب عليهم إيه.. 3 نتائج، أول حكم وأخطر حكم وأخطر نوع هو الموت الروحي، وهو الانفصال عن الله".
ويشرح جناب القمّص معنى الموت الروحي والانفصال عن الله فيقول: