فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وبطبيعة الحال، فإن جناب القمّص وفريق العمل الذي يعمل معه سوف يسرع لكي يشنّف آذاننا بإسماعنا الجملة التي يحلو لهم ذكرها وتكرارها في هذه المناسبة، وهي التي جاءت في إنجيل يوحنا وتقول:"هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 16:3) . وكأني بهم يقولون: انظر، إن المسيح هو ابن الله الذي بذله لكي لا يهلك كل من يؤمن به، والذي يقول هذا الكلام هو المسيح نفسه، مما يدل على أنه يوافق على ما حدث، وإلا لكان قد سجّل اعتراضه. والرد على هذا هو أن الذي يتكلم والذي قال هذه الجملة هو اللاهوت وليس الناسوت، وذلك حسب كلام القمّص نفسه، وحسب كلام إنجيل يوحنا نفسه، الذي ذكر أن الكلمة كان عند الله وأن الكلمة كان الله، وأنه هو الذي تجسد، إذ يقول إنجيل يوحنا (14:1) :"الكلمة صار جسدا وحل بيننا". ولكن أين الدليل على أن المسيح الإنسان أو الناسوت هو الذي يتكلم؟ أين الدليل على أن الناسوت كانت له إرادة مستقلة عن إرادة اللاهوت؟ وما هي الشواهد من الكتاب المقدس على أن الناسوت لم يكن خاضعا لنفوذ اللاهوت وتحت سيطرته؟
وتسأل السيدة ناهد متولي جناب القمّص سؤالا في غاية الأهمية، فتقول:
"السؤال المهم جدا.. يقولون: ما ذنب المسيح البريء حتى يدفعه الله للصلب عن الناس؟ يعني معروف إن السيد المسيح مالوش خطية، وإنسان طاهر وبريء، ذنبه إيه يتصلب عن الناس"؟ ويرد عليها جناب القمّص فيقول:"سؤال وجيه.. سؤال وجيه، يعني هل ده يبقى ربنا عادل.. إن هوه يدفع واحد بريء بدل الناس الأشرار"؟
ونتوقع من جناب القمّص أن يسرد على مسامعنا الأدلة من الكتاب المقدس إجابة على هذا السؤال الهام، ولكنه يفاجئنا بأنه يستخرج أدلته من القرآن المجيد، مما يدل على أنه لا يوجد أي إجابة في الكتاب المقدس على سؤال السيدة ناهد. ولا عجب بالطبع أن يخلو العهد القديم والأناجيل الأربعة من إجابة على هذا السؤال، لأن هذا السؤال لم يكن له ما يبرره في العهد القديم ولا في الأناجيل الأربعة، وإنما أصبح له ما يبرره بعد أن اخترع بولس فكرة الفداء وتبرير موت المسيح على الصليب التي اقتضت تجسد الله وبالتالي فكرة التثليث. ولكن على أي حال.. لقد استعان القمّص بالقرآن المجيد، فماذا كانت إجابته؟ يقول:
"سورة البقرة آية 60 تقول: ]كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ يقتلون النبيين بغير الحق يعني إيه؟ بيعملوا إيه في النبيين؟ بيقتلوهم، مش كده؟ طب وازّاي ربنا يسمح بقتل النبيين وهم أبرياء"؟ ويضحك جناب القمّص ضحكة الزهو والانتصار، ثم يستكمل حديثه فيقول:"تاني.. حتة تاني.. البقرة آية 86 ] أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ [ بيكلم اليهود، ] أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ[ بيقتلوا الأنبياء؟ يعني قتل الأنبياء جائز وهم أبرياء، وقتل المسيح مش جائز بقى؟ مش انتوا بتقولوا المسيح نبي؟ طب أهو اتقتل، فيها إيه"؟ فتقول السيدة ناهد متولي وهي تضحك:"يعني مش أول واحد"، فيؤكد القمّص بقوله:"مش أول واحد.. مش أول واحد بريء، ولكن الله بيكافئ النبي، وسوف يدين الظالم والقاتل، O.K.؟"
هذه هي الإجابة التي قدمها جناب القمّص على السؤال الذي وجّهته إليه السيدة ناهد متولي، وقد آثرت أن أنقلها بنصها ولفظها حتى يتبين المشاهد أني لا أتقوّل شيئا ولا أنسب قولا لجناب القمّص. إن الصبي الصغير يستطيع أن يرى الخلل والخطل في كلام القمّص، ولذلك فإن الإنسان ليعجب، أشد العجب، أية غشاوة تلك التي على عيون هؤلاء حتى إنهم لا يرون الخطأ الواضح في هذا المنطق المغلوط!! إن السؤال هو: ما ذنب المسيح البريء حتى يدفعه الله للصلب عن الناس؟ فكيف تكون الإجابة هي أن قتل الأنبياء جائز؟ ألا يعلم هؤلاء أن الذين قتلوا الأنبياء كانوا من الكافرين والفاسقين والظالمين، فكيف يتساوى فعل هؤلاء مع فعل الله تعالى؟ ألا يعلم هؤلاء أن الله لا يمكن أن يقوم بأعمال الكفرة والفسقة والظلمة؟ ألا يعلم هؤلاء أن هناك فرقا بين أن يسمح الله تعالى بقتل الأبرياء سواء كانوا من الأنبياء أو من البشر العاديين، وبين أن يخطط الله ويدبر ويدفع نبيا لكي يُقتل ظُلما على الصليب؟ إن الله يسمح بوقوع الشر والظلم لأنه قدّر أن يكون للإنسان إرادة حرة يستعملها إذا شاء لمقاومة الشر وتلافي الظلم، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان الإنسان مسؤولا عن أعماله، ولانتفى أيضا وجود الشر، لأن الله لا يفعل إلا الخير، ولا يأمر إلا بالخير.