فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 4557

والمشكلة في عقيدة الصلب والفداء التي يقدمها جناب القمّص على أنها من عقائد المسيحية، مع أن المسيحية الحقيقية بريئة تماما من مثل هذه العقائد الخاطئة، هي أنها تدّعي بأنها تقوم على العدل، وتحرص على تطبيق العدل قبل الرحمة، مع أنها تتناقض مع أهم أساس من أسس العدل، وهو أن تكون العقوبة متناسبة مع الجرم. فهل معصية الله، بافتراض أن آدم وحواء قد عصيا الله فعلا، هل هذه المعصية تبرر العقوبة التي يزعم جناب القمّص أن الله طبّقها على آدم وحواء وعلى جميع أفراد الجنس البشري، وهي الموت الروحي بمعنى الانفصال عن الله، والموت الأدبي بمعنى نوال الخزي والعار، ثم بعد ذلك العذاب الأبدي المتواصل بلا انقطاع في نار جهنم الأبدية؟ هل هذا هو العدل الذي يحدثنا عنه جناب القمّص؟ هل هذا هو العدل الذي تُعلمنا إياه المسيحية؟ هل هذا هو العدل الذي يتفق مع محبة الله؟ تصوروا مثلا الأم التي تُعلّم طفلها الصغير المشي، فتشرح له كيفية المشي، ثم تقول له إذا لم تتبع أمري في المشي وسقطت فسوف ألقي بك من النافذة عقابا لك، فهل تُعتبر مثل هذه الأم إنسانة عاقلة، تتبع قواعد العدل وأحكامه؟ وإذا وضع أحد الملوك قانونا بأن من يخطئ في حق الملك يعتبر مخطئا في حق جميع أفراد المملكة، وبالتالي يكون عقابه أن يقوم كل فرد في المملكة بضربه ضربا مبرحا متواصلا بلا انقطاع، فهل يوافق جناب القمّص على أن تصرّف هذا الملك يتفق مع قواعد العدل الذي يؤمن به؟ وهل يوافق أخواننا المسيحيون على أن المسيحية التي يؤمنون بها تعتبر هذا التصرّف تصرفا عادلا يتفق مع العدل الذي يرضون أن يتصف به الله تعالى الذي تقوم كل أعماله على المحبة؟ أجيبونا يا سادة، أو على الأقل أجيبوا ضمائركم وعقولكم، وما لا ترضون به لأنفسكم فلا تنسبوه إلى الله، وما لا تعتبرونه عدلا فلا تصفوا به الله.

وإذا كان هذا هو العدل الذي يَرضَى جناب القمّص بإلصاقه بالله تعالى، فهل تحقق هذا العدل بالفعل؟ هل نفذ الله العقوبة في الشخص الذي ارتكب الجرم، كما تقتضي قواعد العدل المعمول به في جميع الأديان السماوية، وكما تقتضي قواعد العدل المعمول به في جميع القوانين البشرية؟

إن جناب القمّص يعترف بنفسه أن العدل الذي يتشدق به، ويصر على أن يكون فوق الرحمة، ويؤكد على ضرورة تنفيذه قبل أن يتمكن الله تعالى من استخدام صفة الرحمة الموجودة فيه، هذا العدل لم يتم تنفيذه لأنه لم يُنفذ في الجاني، وإنما تم تنفيذه في إنسان بريء لم يرتكب إثما ولم يقترف جُرما، هو السيد المسيح صلى الله عليه وسلم . فهو حسب كلام جناب القمّص"إنسان، زيي وزيّك، ولكن بدون خطية، وحل فيه اللاهوت الغير محدود". وقد يظن البعض أنه ما دام اللاهوت الغير محدود قد حل فيه، فإن هذا اللاهوت هو الذي تحمّل العقوبة حتى يتم تنفيذ العدل الذي يحدثنا عنه جناب القمّص، ولكننا نُفاجأ بأن اللاهوت لم يتحمّل أي شيء، ولم يعانِ من أي شيء، ولم يمسه أي شيء، وإنما الذي تحمّل كل شيء هو الإنسان، والذي عانى من الآلام كلها هو الإنسان، والذي دفع الثمن وقدم العوض حسب المفهوم المسيحي هو الإنسان، والذي وقعت عليه اللعنة حسب نص التوراة وحسب ما يقوله بولس هو الإنسان، أما اللاهوت فلم يتأثر بأي شيء من هذا كله. إذ يخبرنا جناب القمّص أن مَثَل اللاهوت والناسوت كمثل النار والحديد، فإذا وضعنا الحديد في النار، نجد أن الحديد يتأثر بالنار، وبذلك يمكن أن نطرق الحديد ونشكّله، ولكن تظل النار كما هي لا تتأثر بالطرق، بل إنها تظل محتفظة بكل خواصها، فهي تلسع وتحرق، ولكنها لا تتأثر بالحديد وما يحدث له، بل إن النار لا تختلط بعنصر الحديد، ولا يتحوّل عنصر الحديد إلى نار. أي أن اللاهوت يظل كما هو لاهوت، ويظل الناسوت أيضا كما هو ناسوت. وهذا يعني أن الذي تأثر بالصلب وما صاحبه من آلام وموت وقيامة ولعنة وغيرها، بافتراض أن كل هذا قد حدث فعلا، هو الناسوت. أما وجود اللاهوت فلم يكن إلا كالعامل المساعد الذي يساعد على حدوث التفاعل ولا يتأثر به.

وما دام قد تبين أن اللاهوت لم يتأثر بالصلب، وأنه بالتالي لم يتأثر بالموت، فهذا يعني أن الذي تأثر بالصلب وتأثر بالموت وتأثر باللعنة هو الناسوت وحده فقط، وهو مجرّد إنسان لا حول له ولا قوة، ولا دخل له في ترتيب عملية الصلب والفداء. بل إن التجسد، بافتراض أنه وقع، قد وقع له دون استشارته ودون استئذانه ودون موافقته. وأنا أتحدى جناب القمّص، وكل فريق العمل الذي يعمل معه ويُعد له البرامج التي يقدمها، أتحداهم جميعا أن يقدموا دليلا من العهد القديم أو من الأناجيل الأربعة على أن الجانب الإنساني في شخصية المسيح، أي الناسوت كما يقولون، قد تم استشارته في عملية التجسد، وأنه قدم موافقته عليها، وأن هذا التجسد المزعوم قد تم بعد أن وافق عليه يسوع الناسوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت