فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولأن أفكار جناب القمّص عن العدل ليست من وحي السماء، ولا هي من أقوال نبي مُرسل من عند الله، فإنها لا تتفق مع هذه القواعد التي ينبني عليها العدل المعروف لدى الناس والمعمول به في جميع أنحاء العالم. ولذلك راح جناب القمّص وأخذ ينفخ في الخطيئة التي ارتكبها آدم وحواء، وراح يخترع لها القواعد والأسس لكي يعتبرها خطيئة كبيرة مهولة غير محدودة بزعم أنها كانت في حق الله غير المحدود. وقد أثبتنا لجناب القمّص وللمشاهدين الكرام أن المبدأ الذي اخترعه جناب القمّص، أو بالأحرى الذي اخترعته المسيحية التي يدعو إليها جناب القمّص، وهو أن الجرم يُقاس بقيمة الْمُساء إليه، لا أساس له بتاتا في أي دين، ولا في القوانين المعمول بها في العالم، ولا في المعاملات بين الأفراد. إن جناب القمّص يحاول عبثا أن يقنعنا بهذا المبدأ الذي ما أنزل الله به من سلطان، ولا نطق به نبي من أنبياء الله، ولا جاء في أي كتاب من الكتب المقدسة، بل ولم تنص عليه التوراة ولا الأناجيل التي يؤمن بها القمّص وأتباعه. إن العدل الإلهي يختلف تماما عن العدل الذي اخترعه جناب القمّص، كما أن العدل الذي يعرفه العالم ويطبقه يختلف أيضا عن العدل الذي يدّعيه القمّص. إن العدل الحقيقي ينص على أن الجرم يُقاس بمقدار الضرر الذي يسببه وليس بقيمة الْمُساء إليه كما يزعم جناب القمّص. وعلى هذا، فإن العقوبة في كل نظام يقوم على العدل لا بد أن تتناسب مع الضرر الناتج عن الجرم بشرط أن يكون فاعل الجرم على وعي تام بما يفعل. وقد ذكر جناب القمّص مثالا ليؤيد به وجهة نظره فقال إنه إذا أساء إلى الساعي الذي يعمل في مكتبه فأخطأ في حقه، فإنه يستطيع أن يرضيه بأن يعطيه مبلغ خمسين جنيها أو مائة جنيها تعويضا عن الإساءة، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إذا ارتكب نفس الخطأ في حق رئيسه، أو إذا ارتكب نفس الخطأ في حق رئيس الجمهورية، أو إذا ارتكب نفس الخطأ في حق الله تعالى. وقد يكون هذا الكلام صحيحا عند بعض البشر الذين يُفرّقون بين كرامة الإنسان البسيط والإنسان الذي له مكانة عالية في المجتمع. ولكن، عند الله الذي هو العدل المطلق، فإن الإساءة إلى الساعي البسيط تتساوى مع الإساءة إلى أي شخص آخر مهما كان مستواه الاجتماعي. أما جناب القمّص، فيرى أن قيمة الجرم تزيد وتكبر حسب قيمة الْمُساء إليه. ويترتب على كلام القمّص أن قيمة الجرم تتساوى إذا وقع نفس الجرم في حق نفس الشخص، وهذا النوع من العدل لا يمكن أن يكون إلا من فكر ضال ومنطق ساقط وتفكير تافه. وللتدليل على ذلك نقدم المثال التالي: إذا كان جناب القمّص يحمل طفله الرضيع، وحدث أن بال عليه الطفل وبلله، فكل ما سوف يفعله هو أن يعطي الطفل لأمه لتغير له ملابسه، ثم يذهب هو لتغيير ملابسه المبتلة. فإذا جئت أنا وقمت بنفس العمل الذي قام به الطفل، فبللت جناب القمّص، فهل يرى نيافته أن الجرم متساو لأن الشخص الْمُساء إليه في الحالتين هو نفس الشخص، والعمل الذي وقع في الحالتين هو نفس العمل؟ من الواضح أن المنطق الذي يستخدمه جناب القمّص ليس بمنطق على الإطلاق، ولا يقوم على أي أساس سليم من عقل أو من نقل.