فهرس الكتاب

الصفحة 943 من 4557

إن العدل قيمة أخلاقية، مثله كمثل الصدق، والأمانة، وغيرها من الخصال الكريمة، ولا يمكن أن يكون للعدل مفهوم في دين من الأديان، وله مفهوم آخر مختلف في بقية الأديان، كما أن الصدق لا يمكن أن يعني قول الحق في دين من الأديان، ويعني قول الكذب في دين آخر، أو أن الأمانة هي أن يرد المرء ما استُؤمن عليه إلى صاحب الأمانة عند طلبها، ولكن في دين آخر يكون مفهومها هو أن تُسلب الأمانة. والعدل الذي تعرفه الدنيا كلها هو أنه إذا تحدد أجر معين يتناسب مع تأدية عمل معين، فإن العدل هو تقديم ذلك الأجر دون أي نقصان لمن يؤدي ذلك العمل. وأيضا إذا تقرر تنفيذ عقوبة معينة تتناسب مع ارتكاب جُرم معين، فإن العدل هو تنفيذ هذه العقوبة دون أية زيادة، فيمن يرتكب ذلك الجرم. هذا هو العدل الذي تقوم عليه القوانين والاتفاقيات بين الأفراد وبين الدول، وهو نفسه العدل الذي تعرفه جميع الأديان، سواء كانت أديانا سماوية أو وضعية. فمثلا إذا اتفق طرفان على أن يقوم الطرف الأول بتأدية عمل معين ويتقاضى عليه عشرة قروش من الطرف الثاني، فإن العدل يقتضي أن يدفع الطرف الثاني العشرة قروش المتّفق عليها دون أي نقصان إذا ما أدى الطرف الأول العمل المطلوب منه. فإذا شاء الطرف الثاني أن يدفع للطرف الأول أجرا أكبر مما تم الاتفاق عليه، كأن يدفع خمسة عشر قرشا أو عشرين قرشا، فإن هذا لا يتعارض مع العدل، وإنما يسمى إحسانا، ولا يعني بتاتا أن العدل لم يُطبّق أو أن الاتفاق لم يُنفّذ. كذلك إذا كان القانون ينص على عقوبة معينة تتناسب مع جريمة معينة، مثل عقوبة الحبس ستة شهور مثلا لمن يسرق بضاعة من محل تجاري، فإن العدل يقتضي ألا يتم حبس المجرم أكثر من ستة شهور. أما إذا تم الحكم بحبس المجرم أربعة شهور أو أقل، أو إذا تم العفو عن المجرم نظرا لظروف خاصة تبرر تخفيض العقوبة أو إلغاءها، فإن هذا لا يتعارض مع العدل، وإنما يُسمى رحمة، وذلك لأن الاعتبارات التي اقتضت تخفيض العقوبة أو إلغاءها أكبر وأعظم وأهم من تنفيذ العقوبة، وبالتالي فإن الحكمة تقتضي تنفيذ الأوْلى والأهم قبل المهم، ولا يتعارض هذا مع العدل، بل إنه يتفق مع الحكمة والرحمة. كذلك إذا كان القانون ينص مثلا على تطبيق عقوبة الإعدام على من يقتل إنسانا بريئا، فلا يكون من العدل تطبيق نفس عقوبة الإعدام على من يسرق قالب من الشكولاتة من محل تجاري، ففي هذه الحالة نرى أن العقوبة لا تتناسب مع الجريمة، وعدم تناسب العقوبة مع العدل يتناقض مع العدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت