فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده ( وهذه مشروعة ) .
الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته ( وهذه مشروعة ) .
والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله ( وهذه موضع اجتهاد ) .
والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه ( وهذه محرمة ) .
فالمقصود من الأمر والنهي حصول المصلحة فذلك مقصود الشرع فإن وجدت المصلحة أو كانت هي الغالبة تعين الأمر والنهي.
يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ في الموافقات:
فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتبار فهي المقصودة شرعًا ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود، فإن تبعتها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه، وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة فرفعها هو المقصود شرعًا ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان حسبما يشهد له كل عقل سليم.
فمعرفة هذا الباب أمر ضروري للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وخاصة حينما تتداخل المصالح والمفاسد.
قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في أسرار المنهج الرباني:
إنما الغاية التي شرع من اجلها مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشاعة الحق في المجتمع وإزالة الباطل عنه بقدر الإمكان، وذلك عن طريق النصيحة لدين الله عز وجل وإنما يتم ذلك ضمن جو من الصفاء النفسي بعيدًا عن الأغراض والأهواء والضغائن، وبأسلوب موضوعي يستهدف مخاطبة الفكر والعقل ولا يتجه إلى جرح الشعور والنفس وفي وقت لا يخشى فيه من الفضيحة والتشهير، ففي هذه الحالة وحدها يشرع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعامة المسلمين أما في الحالات المخالفة الأخرى فإن التلبس بذلك لا يعدو أن يكون فتحًا لذريعة الشر في أي مشكل من أشكاله وهو ما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى ومن أجل ذلك كانت ضرورة لنظر في آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد من ضرورة اقتحام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خلاصة القاعدة:
لا بد أن يلمّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بجانب النظر في المصلحة والمفسدة، وأهم من ذلك إخلاص النية لله تعالى فلا يكون أمره ونهيه انتصارًا للنفس.
وإذا أمعن الآمر في أقوال العلماء في القاعدة السابقة عرف متى يأمر ومتى ينهى ومتى يقدم ومن يحجم وبذلك نحفظ لأمتنا خيريتها ودينها.
القاعدة الذهبية في العفو عن الناس!!
العفو عن الناس من شيم الكرام، والعفو عنهم عند المقدرة من شيم المحسنين، والعفو عنهم مع الإصلاح من شيم المؤمنين، وقد وضع الله سبحانه وتعالى في ذلك قاعدة كلية فقال سبحانه في سورة الشورى: ) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( [الشورى: 40 ـ 43] .
ابن السعدي والقاعدة السابقة:
كتب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي في كتابه: مجموع الفوائد واقتناص الأوابد كلامًا طيبًا، وفائدة مفيدة في العفو عن الناس فقال:
ـ العفو عن الناس إذا أساؤوا إليك كله محمود، وخصوصًا من لهم حق متأكد ( عليك ) من ولادة وقرابة وصداقة ونحوها.
ـ وأخص من ذلك من كانت إساءتهم إليك صادرة عن مقصد حسن هو فيه غالط في أصله أو مقداره.
ـ وكان بعضهم يقول: كل من أساء إلي بقول أو فعل أو اعتراض، وقصده بذلك وجه الله، أو كان قصده مشوبًا بعضه لله وبعضه تبع لغرض النفس، فهو مني في حل، وقد سامحته لله الذي للمسيىء إلى نوع احتساب، وإن كان مخطئًا أو مزورًا عليه أو نانيًا على قول الطائفة التي عرفت بالاعتراض على، فكل هذه الأقسام قد سامحته لله علمت بإساءته أو جهلتها.
المسيء عن قصد:
ثم قال ـ رحمه الله ـ: وأما من ليس له من المقاصد إلا الأغراض النفسية والعدوان المتمخض الذي يعلمه من نفسه، فهذا لا أقابله بإساءته وأمره إلى الله، ومن وصل إلى هذه الحالة، فليحمد الله على هذه النعمة الكبرى، وعلى راحة الضمير، وعلى كثرة ما يجني من الخير، وعلى ما يرجى له من جزاء ربه له ومعاملته له، وأنه يرجى أن يكمل له النواقص ويعفو عما مزج فيه العبد أغراضه وشهواته النفسية مع داعي الإخلاص.
العفو عن المفسد:
ثم قال ـ رحمه الله ـ: ويستثنى من هذا الأصل العفو عن المجرم المفسد المتمرد الذي العفو عنه مما يزيده في عتوه وتمرده، فالواجب في مثل هذا الردع والزجر بكل ممكن ولعل هذا يؤخذ من القيد الذي ذكره الله بقوله: ) فمن عفا وأصلح ( فشرط الله أن يكون العفو فيه صلاحًا، فأما العفو الذي لا صلاح فيه، بل فيه ضده، فهو منهي عنه. والله أعلم.
صور من عفو المصطفى صلى الله عليه وسلم: