فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن حالات الإتصال المبكر بين المسلمين والنصارى هجرة المسلمين الأولى من مكة إلى الحبشة ونزولهم عند ملكها النجاشي. وكان النجاشي ملكًا كريمًا عادلًا لايظلم عنده أحد، لذا أوصى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صحابته بالهجرة إليه. وعندما أرادت قريش إعادة المهاجرين إلى مكة، أرسلت إلى النجاشي إثنين من دهاتها ومعهما الهدايا له ولبطارقته، وعندما عجزا عن رشايته، رميا بأخر سهم في كنانتهما، فذكرا له ما يقوله المسلمون عن عيسى وأمه (عليهما السلام) ، وذلك محاولة منهما لإثارة غضبه وغضب بطارقته على المهاجرين، ولكنه حين إستمع إلى ما قرأه عليه جعفر بن أبي طالب من سورة مريم بكى وبكت بطارقته، ثم قال النجاشي:"إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة". وهذه هي الحقيقة التي عرفها قيصرالروم ولكنه ضن بملكه الذي كان يتهدده إعلان إسلامه لجهل أمته، وتعصبهم الأعمى لدين لم ينزّل لهم ولم يفهموه.
ومحور رد القمص عزيز هو الإنكار على ما أورده الأستاذ الدكتور زغلول النجار في مقاله من حقيقة التحريف الذي طال الكتب السماوية السابقة للقرآن ومنها التوراة والزبور والإنجيل. وليس في ما ذكر إنكار لأصول تلك الكتب السماوية المقدسة، ولكنه إثبات لحقيقة أن الذي بقي منها بين أيدي الناس إلى اليوم محرف ويختلف عن الأصل الذي أنزل.
وقد أكثر القمص من إيراد آيات من القرآن الكريم يستدل بها على أن التوراة والزبور والإنجيل كتب منزلة من الله على رسله، ونحن المسلمين لانختلف معه في ذلك لأن التصديق بما أنزله الله من كتب ركن من أركان الإيمان، والإيمان كما عرفه رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) هو:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر وبالقدر خيره وشرّه"، إذ لايسع المسلم أن ينكر شيئًا من أصول الكتب المقدسة التي أنزلها الله (تعالى) على رسله، لأن إنكار أي منها يفضي إلى الكفر. ولكن محل الخلاف هو كون هذه الكتب إمّا فقدت بالكامل أو نالها الكثير من التحريف والتبديل الذي غير من أصلها السماوي، والناظر البصير في حال أصحاب هذه الكتب اليوم يرى أنهم ليسوا على شيء.
ونحن المسلمين كما نؤمن بحقيقة تنزيل كل من صحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود و إنجيل عيسى (على نبينا وعليهم من الله السلام) وأن هذه وغيرها من الكتب السماوية قد أنزل من لدن رب العالمين، وأن هذ ثابت بنص كتاب الله وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فإننا نؤمن أيضا بضياع أصول تلك الكتب و تحريف ما بقي منها عن أصولها كالتحريف الذي طال الإنجيل من قبل أحباراليهود ورهبان النصارى، والإدلة على هذ التحريف مستفيضة من الكتاب والسنة والنظر الصحيح ويؤكد عليها الواقع الحالي الذي عليه حال النصارى اليوم، والأمر لايكلفك أكثر من أن تجلس قبالة جهاز التلفزيون وتتابع بعض البرامج الدينية التي تقدمها قنوات الكنائس والإرساليات الأمريكية والأوروبية لترى مقدار التباين في معتقداتهم، والتناقض في أقوالهم، فكل جماعة ترى الدين من منظار يختلف عن بقية الجماعات، وهذا نتيجة التحريف والتبديل الذي تعرض له إنجيل عيسى (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) أثناء نقله مشافهة عبر الأجيال حتى حين تدوينه، وما تعرض له بعد التدوين من حذف وإضافة وإلى مداخلات بشرية إختلط فيها الحق بالباطل، ثم تعرضت النسخ المكتوبة إلى مراجعات وإعادة تحرير دون توفر الأصل الذي يرجع إليه، فتداخلت الأهواء وتمايزت حتى أنتجت نسخا مختلفة تنسب الى الكتاب المقدس.
وتحريف كل من التوراة والإنجيل أخرجهما من إطارهما الرباني، وجعلهما عاجزين عن هداية البشرية، فأصبحت الرسالة التي يحملها كل منها لاتشبع نهم الباحث عن الحقيقة، وكثيرًا ما نسأل المسلمين الجدد والذين كانوا يهودا أو نصارى قبل إسلامهم عن الداعي لترك دينهم والتحول إلى الإسلام فيقولون إنهم بحثوا عن الحق الذي تطمئن إليه نفوسهم فلم يجدوه إلاّ في الإسلام. فالغموض الذي يكتنف أصل الإعتقاد عندهم وما يتبعه من عبادات ومعاملات وأخلاق أوقعهم في حيرة شديدة وسبب لهم الكثير من القلق النفسي ما يضطرون معه الى اللجوء إلى رجال الدين علهم يجدون عندهم ما يشفي ما في نفوسهم، ولكن رجال الدين يعجزون عن إزالة الإلتباس لضياع الأصل الرباني الذي يرجعون إليه ويأخذون منه، فلو كان ماتحت أيديهم هو الكتاب الذي أنزله الله لتبين لهم الحق ولسلكوا سواء السبيل.