فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أيضا نقول أن القرآن الكريم إذ يطلق مصطلح ( الأميين ) للدلالة على مشركي العرب ، فليس معنى هذا أن العرب كلهم يجهلون القراءة و الكتابة ! ، فنحن طبعا نقرأ في كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعان بعدد من كتّاب الوحي لتدوين القرآن الكريم فور نزوله ، أيضا نقرأ أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد أسلم بعد أن قرأ جزء من سورة طه ، أيضا نقرأ أن مشركى مكة قبل الهجرة قد كتبوا صحيفة مقاطعة للمسلمين و وضعوها في الكعبة ، كذلك كان في أسرى معركة بدر من الكفار من أراد افتداء نفسه أن يعلم عشرة من صبيان المسلمين القراءة و الكتابة ، و في التاريخ نقرأ عن المعلقات السبعة و هي قصائد عُرف عنها أنها كانت تُكتب على صحائف و تعلّق في الأسواق و المنتديات العربية قبل الإسلام ، .. و غير هذا مما يدل على أن العرب كان علم القراءة و الكتابة معروف لديهم و لكن كان عدد القراء ندرة في هؤلاء القوم على عكس الأقوام الأخرى ، فأهل الكتاب مثلا كانوا يتعلمون العبرانية و اليونانية لقراءة كتبهم التي لم تكن قد ترجمت إلى العربية بعد ، و لكن أيضا كان منهم الأميون الذين لا يقرأون و لا يكتبون كما يقول الله تبارك و تعالى عنهم في كتابه الكريم: { وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ } - البقرة: 78 ، و الأماني قد فسرها الحافظ ابن كثير بأنها تلاوات أو قراءات محفوظة من التوراة لا تتطلب منهم علم القراءة . و كما نرى أن هذه الأية تستخدم لفظ ( أميون ) للدلالة على غير الملمين بالقراءة و الكتابة لا على غير اليهود لأنها تتحدث عن اليهود !!
كما قلنا شاءت حكمة الله تعالى أن يكون ذلك المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم رجلا أميا لا يقرأ و لا يكتب ، و قد ظل صلوات ربي عليه على أميته حتى وافته المنية كما هو ثابت في مجمل الأحاديث و كتب السيرة . و هذا كي لا يرتاب أحد في أنه يتلقى القرآن عن أحد من العالمين مهما كانت ثقافته . فبعد أن تحدى المولى - عز وجل - العرب أن يأتوا بسورة من مثله و قد فشلوا ، كان ذلك التحدي الأعظم ؛ أن ذلك الذي فشلتم في محاكاته و تقليده و أنتم جهابذة الشعر ، قد جاء به هذا النبي الأمي غير المتعلم ! فمن أين جاء به صلوات ربي عليه و تسليماته ؟!.. قطعا من عند الله رب العالمين .
و في هذا يمنّ الله - عز وجل - على نبيه الكريم و يقول: { وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } - العنكبوت: 48 . أي أنك يا محمد قبل أن تقرأ هذا القرآن قد لبثت في قومك عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كل رجل من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب ، و لولا ذلك لما كانت ريبة المبطلين من المشركين و أهل الكتاب ! إذ أنهم يعلمون حق العلم أن محمد صلى الله عليه وسلم رجلا أميا فمن أين جاء بهذا القرآن ؟
أيضا يقول الله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلََكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نّهْدِي بِهِ مَن نّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ } - الشورى: 52 . أي أنك يامحمد كنت رجلا أميا لا تعلم الكتاب و لا تكتبه ، و في هذا نداء للمشركين و ليس للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعملوا عقولهم كيف لهذا الأمي بهذا البيان و هذه الفصاحة ! و ما كنت على دين قبل ذلك فيقولون انك قد تركته إلى ملة أخرى بل كنت تبحث عن الإيمان و تتفكر في خالق هذا الكون ، فمن الذي علمه هذا الإيمان الذي ما سبقه إليه أحد من العالمين ؟!.
و قديما اتهم بعض المشركين محمدا صلى الله عليه وسلم في قراءته للقرآن أنه يقول الشعر ، و ما هو مرسل من عند الله ! فكان رد القرآن عليهم واضحا: { قُل لّوْ شَآءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } - يونس: 16 ، أي قل يا محمد لهؤلاء القوم أنني قد لبثت فيكم أربعون عاما قبل هذا القرآن فهل كذبتكم قط ؟ أم كنت مشهور عندكم بالصدق و الأمانة ! ، و هل علم عني أحد أنني أقرض الشعر ؟ أم أنني رجلا أميّا ! أفلا تعقلون و تعلمون أن هذا عناد على غير الصواب ؟!.. و في هذا نجد أسلوب القرآن في دفع الحجة بالحجة الأقوي ليعلم أولو الألباب أنه من عند الله .