فهرس الكتاب

الصفحة 2197 من 4557

قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا( [النساء: 82] ، فالتدبر للقرآن ، ومعرفة أنه ليس فيه أدنى اختلاف ، يورث الإنسان العلم أنه من عند الله ، إذ لو كان من عند البشر لكان فيه اختلاف كثير ، قال البغوي:( أي أفلا يفكرون فيه فيعرفوا-بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر-أنه كلام الله تعالى ؛ لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن التناقض والاختلاف) (119) .

وقال تعالى: (ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ( [البقرة: 1-2] أي لا شك فيه ، وكلمة (ريب( نكرة في سياق النفي فتعم ، فنفى الله جميع أنواع الريب والشك كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها ، قال القرطبي:(لا ريب نفي عام ، والريب هو الشك والتهمة ، فكتاب الله لاشك فيه ولا ارتياب . ) (120) .

وهذا أمر عجيب ، فالعادة في كتب بني البشر أن يستفتح أحدهم كتابه بالاعتذار وإظهار العجز ، وأن كتابه فيه أخطاء ، والمرجو تقبل الحق الذي فيه ، والتماس العذر لأخطائه ، وبعضهم يطالب القارئ بإصلاح ما يجد ، وبعضهم يقول:

إن تجد عيبا فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا ولكن الله - تعالى - استفتح كتابه بهذه الكلمة ، معلنا فيها التحدى لكل من يقرأ أن يجد فيه خطأ أو ريبا أو شكا .

وقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا( [الكهف: 1] ، فليس فيه أدنى اعوجاج ، وما كان كذلك فلا يمكن أن يتطرق الطعن فيه ، قال القاسمي -رحمه الله-: (( عوجا( أي شيئا من العوج ، باختلال في نظمه وتناف في معانيه ، أو زيغ وانحراف عن الدعوة إلى الحق ، بل جعله مزيلا للعوج إذ جعله

( قيما ( (( 121) .

وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( [الزمر: 23] .

فهذا القرآن هو أحسن الحديث وأجمله ، فلا كتاب أحسن منه ، وإذا كان القرآن أحسن الحديث ، فإنه لا يمكن لما هو أحسن الحديث ، أن يكون فيه تناقض أو إشكال أو مجال للطعن .

وقال تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ( [فصلت: 42] ، قال ابن كثير رحمه الله:(أي ليس للبطلان إليه سبيل ؛ لأنه منزل من رب العالمين ) (122) ، وهذا نص صريح على استحالة وجود الباطل في كتاب الله ، بل على استحالة افترائه عليه ، فإن الله يوكل من عباده من ينفي عنه انتحال المبطلين، وتحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ، وذلك مصداقا لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( [الحجر: 9] ، فـ (مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ( [التكوير: 25] ، بل هو كتاب عظيم فصل (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ( [الطارق: 13-14] .

فهذا الكتاب (مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ(210 ) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ( [الشعراء: 210-211] ، والدليل أنهم لا يستطيعون التحدي لهم بمثل قوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( [سراء: 88] .

ومن الأدلة على أن هذا الكتاب من عند الله قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ( [العنكبوت: 48] .

فما كان لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يأتي بمثل هذا الكلام ، ويتحدى به الثقلين ، ولم يقدر أحد على معارضته وإجابة هذا التحدي .

وقد شهد على صحة هذا القرآن أهل الكتاب كما قال تعالى:

(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ( [الأنعام: 114] .

وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ( [الشعراء: 192-197] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت