فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي الصحيحين أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا ، وَفِينَا بُشَيْرُ ابْنُ كَعْبٍ فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) « الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ » قَالَ: أَوْ قَالَ: « الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ » فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ الْحِكْمَةِ ، أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ . قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ ، وَقَالَ: أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) وَتُعَارِضُ فِيهِ . قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) (126) .
2-تعليمه بالتي هي أحسن ، أخذا من قوله تعالى (وأما السائل فلا تنهر( [ الضحى: 10] ، وقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ( [النحل: 125] وقوله: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ( [العنكبوت: 46] ، والمسلم أولى بالإحسان من الكتابي .
وذكر الداوودي في ترجمة الشنبوذي (عن الداني أنه قال: دخل الشنبوذي على عضد الدولة زائرا ، فقال له: يا أبا الفرج إن الله تعالى يقول: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ( [النحل: 69] ونرى العسل يأكله المحرور فيتأذى به ؛ والله الصادق في قوله ، فقال: أصلح الله الملك ، إن الله لم يقل: فيه الشفاء للناس . بالألف واللام ، الَّذيْنِ يدخلان لاستيفاء الجنس ، وإنما ذكره مُنَّكرا ، فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض .
قال الداني: والصواب أن الألف واللام في قوله: (للناس( لا يستغرقان الجنس كله ، كما لا يستغرقان في قوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم( [آل عمران: 173] وقوله: (فنادته الملائكة( [آل عمران: 39] وقوله: (وقالت اليهود عزير ابن الله( [التوبة: 30] وشبهه) (127) .
3-الشدة أحيانا على من لا يخاف عليه النفرة بالشدة ، وعنده من العلم ما لا ينبغي معه أن يسأل هذا السؤال ؛ كحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا -وفي رواية أنهم تكلموا في القدر- فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ، فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: « بِهَذَا أُمِرْتُمْ - أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ - أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، إِنَّمَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ ، فَاعْمَلُوا بِهِ وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » (128) .
ثانيا: وأما إن كان السائل يسأل تعنتا ، فإن لهم معه طرقا كثيرة:
1-تعليمه السؤال الصحيح: عن عامر بن وائلة ، أن ابن الكواء سأل عليا - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا ؟ قال: ويلك سل تفقها ، ولا تسأل تعنتا (129)
2-تأديبه إن كان له عليه قدرة وسلطة: كما فعل عمر - رضي الله عنه - مع صبيغ؛ فعن السائب بن يزيد ، أن رجلا قال لعمر - رضي الله عنه -: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن ، فقال عمر: اللهم أمكني منه . فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة ، وعمر يقرأ القرآن ، فلما فرغ قام إليه الرجل ، فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا ؟ فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ، ثم قال: ألبسوه ثيابه واحملوه على ؛ قتب ، وأبلغوا به حيَّه ، ثم ليقم خطيبا فليقل: إن صبيغا طلب العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم (130) .
3-هَجْره ، والتحذير منه ، وعدم مناظرته:
وهذا لثلاثة أسباب (131) :
أ- لتأديبه: كما فعل عمر - رضي الله عنه - مع صبيغ .
ب-لأن صاحب الشبهة إن كان مغموسا في باطله ، ويطلب نصرته ، أو يريد التشكيك في الحق ، فإنه لا ينفع معه الجدال: