فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه والخدمة له عشر سنين ، ثم أصابه مرض يوما من الدهر ، فتخلف عن حضور مجلس إقرائه ، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم ، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله عز وجل - على لسان نبيه عيسى عليه السلام في الإنجيل -: ( إنه يأتي من بعده نبي اسمه(البارقليط) (166) ، فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء، وقال كل واحد منهم بحسب علمه ، وعظم مقالهم وكثر جدالهم ، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة ، فأتيت مسكن القسيس ، فقال: ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم؟ فأخبرته باختلاف القوم في اسم (البارقليط) وسردت له أجوبتهم ، فقال لي:وبماذا أجبت أنت ؟فقلت: بجواب القاضي فلان في تفسيره الإنجيل . فقال لي: ما قصرت وقربت ، وفلان أخطأ، وكاد فلان أن يقارب ، ولكن الحق خلاف هذا كله ؛ لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم ، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل ، فبادرت قدميه أقبلهما وقلت له: يا سيدي قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد ، ولي في خدمتك عشر سنين ، حصلت عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها ، فلعل من جميل إحسانكم أن تمنوا علي بمعرفة هذا الاسم .
فبكى الشيخ وقال لي: يا ولدي ، والله أنت لتعز علي كثيرا من أجل خدمتك لي وانقطاعك إليَّ ،في معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة ، لكني أخاف عليك أن يظهر ذلك عليك ، فتقتلك عامة النصارى في الحين . فقلت له: يا سيدي ، والله العظيم ،وحق الإنجيل ومن جاء به ، لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك .
فقال لي: إذن فاعلم يا ولدي أن البارقليط هو اسم من أسماء نبي المسلمين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال عليه السلام ، وأخبر أنه نزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق ، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل.
فقلت: وما تقول في دين هؤلاء النصارى ؟ فقال لي: يا ولدي لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول ، لكانوا على دين الله ؛ لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله ، ولكن بدلوا وكفروا .
فقلت: يا سيدي وكيف الخلاص من هذا الأمر ؟ فقال: يا ولدي بالدخول في دين الإسلام.فقلت:وهل ينجو الداخل فيه ؟ قال: نعم ينجو في الدنيا والآخرة. فقلت: يا سيدي إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم ؛فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه ؟ فقال: يا ولدي إن الله لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به إلا بعد كبر سني ، ووهن جسمي، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك ، لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق ، وحب الدنيا رأس كل خطيئة ،وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى ، من رفعة الجاه والعز ، والترف ، وكثرة عرض الدنيا ، ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام ، لقتلتني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت منهم وخلصت إلى المسلمين ، فأقول لهم: إني جئتكم مسلما . فيقولون لي: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق ، فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت فيه نفسك من عذاب الله . فأبقى فيهم شيخا كبيرا فقيرا ابن تسعين ،لا أفقه لسانهم ، ولا يعرفون حقي (167) . فقلت:يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل دينهم؟ فقال: إن كنت عاقلا ، طالبا للنجاة ، فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة ، ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا الآن ، فاكتمه بغاية جهدك،وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة لحينك ، ولا أقدر على نفعك ، ولا ينفعك أن تنقله عني، فإني أجحده وقولي مصدق عليك ، وقولك غير مصدق علي ، وأنا برئ من ذلك إن فهت بشيء ، فعاهدته بما يرضيه.