فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي روايةِ أبي داود قَالَ عَلِيٌّ لِابْنِ أَعْبُدَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ، وَكَانَتْ أَحَبَّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ ، وَكَانَتْ عِنْدِي فَجَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ بِيَدِهَا ، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا وَقَمَّتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا ، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا وَأَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ ضُرٌّ ، فَسَمِعْنَا أَنَّ رَقِيقًا أُتِيَ بِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ ( ،فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِيهِ خَادِمًا يَكْفِيكِ . فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدَّاثًا(351) فَاسْتَحْيَتْ فَرَجَعَتْ ،فَغَدَا عَلَيْنَا وَنَحْنُ فِي لِفَاعِنَا (352) ، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا فَأَدْخَلَتْ رَأْسَهَا فِي اللِّفَاعِ حَيَاءً مِنْ أَبِيهَا ،فَقَالَ: « مَا كَانَ حَاجَتُكِ أَمْسِ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ ؟ » فَسَكَتَتْ مَرَّتَيْنِ ،فَقُلْتُ:أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إِنَّ هَذِهِ جَرَّتْ عِنْدِي بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ فِي يَدِهَا ، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا ، وَكَسَحَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا ، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ أَتَاكَ رَقِيقٌ أَوْ خَدَمٌ ، فَقُلْتُ لَهَا: سَلِيهِ خَادِمًا ...) (353) .فانظر كيف قسم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) السبي ولم يعط فاطمة منه شيئا ! .
فالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) قبل النبوة كان له مكانة عظيمة في قومه ، ولا ينادونه إلا الأمين والصادق ، وإذا اختلفوا في شيء تحاكموا إليه (354) ، وكان متزوجا من امرأة غنية ، وله أعرق نسب في قريش ، فعنده المال والمرأة الجميلة والمكانة المرموقة والسمعة الطيبة والنسب الشريف ، فكيف يترك هذا كله ويحارب الناس أجمعين ، ويكفرهم إلا من كان على طريقته ، ويحارب الناس ويقول لقريش: « جئتكم بالذبح » (355) .وترميه العرب عن قوس واحدة ، ثم بعد هذا كله ليس له من فعله أي مصلحة دنيوية لا له ولا لأبنائه ولا لأهله ، بل حتى لما مات لم يُعْطِ الخلافة لأحد قرابته ، فما كان لرجل يترك الكذب أربعين سنة ، حتى صار طبعا له وسجية من سجاياه الثابتة التي يصعب انتزاعها منه ، بل حتى لو أراد الكذب لأبت عليه طباعه وسجاياه ذلك ، ثم بعد هذا التاريخ الطويل والسمعة السامية يقوم وينتحل الكذب ،وليس أي كذب بل أشد أنواعه وهو الكذب على الله تعالى ، وهو مع هذا لا يهدف لمصلحة ولا لغرض شخصي ؟ إن هذا لا يمكن أن يتصوره عاقل.
إن عدم رغبة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في متاع الدنيا دليل أنه إنما فعل هذا طاعة لله ، بوحي منه سبحانه.
وقد وُفق بعض المستشرقين المنصفين لفهم هذا المعنى وإدراكه ؛ يقول (كارليل) (356) : (ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدا( لم يكن صادقا في رسالته ، أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه في تلك العيشة الهادئة المطمئنة ، ولم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دوي، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطان ، ولم يك إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب ) (357) . وقد استدل بهذا الدليل حبيب النجار (358) الذي في سورة يس ؛ كما قال تعالى: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مهْتَدُونَ( [يس:20-21] .
وهذا الدليل حق ، وكان كل نبي يأتي إلى قومه يقول لهم هذا الأمر ، ففي سورة الشعراء قال نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام:( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [الشعراء:109،127،145،164،180] .
(332) متفق عليه عن عائشة (البخاري:كتاب الهبة ، باب الحديث، رقم:2567، ومسلم:كتاب الزهد والرقائق ، باب منه ، رقم:2972) .
(333) متفق عليه عن عائشة (البخاري: كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة ، رقم:1418، ومسلم:كتاب البر والصلة ، باب فضل الإحسان إلى البنات، رقم:2629) .
(334) متفق عليه عن أبي هريرة (البخاري: كتاب المناقب،باب قول الله:(ويؤثرون على أنفسهم...) ، رقم:3798، ومسلم: كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره،رقم:2054).
(335) أخرجه الإمام أحمد (7120) صححه الألباني في السلسة الصحيحة (3/3) رقم: 1002 .
(336) الأدم: الجلد . مختار الصحاح (1/4) .
(337) القرظ: ورق شجر يُدبغ به . لسان العرب (7/454) .
(338) أَهَب: جمع إهاب وهو الجلد ما لم يدبغ . لسان العرب (1/217) .