فهرس الكتاب

الصفحة 2873 من 4557

رابعًا: إنما زعموه من أنه صلي الله عليه وسلم، أخذ ما جاء به من صهيب الرومى ( [iv] ) لهو من أبطل الباطل. إذ أن صهيبًا هذا كان حدادًا يصنع السيوف، أعجمى اللسان، لا يعدو كلامه أن يكون رطانة ( [iv] ) ولا يكاد يبين ( [iv] ) ولذا قال القرآن الكريم: لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ( [iv] )

والمعنى: كيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة الشاملة، التى هى أكمل من معانى كل كتاب نزل على نبى أرسل؛ كيف يتعلم من رجل أعجمى؟‍! لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل ( [iv] ) وليت شعرى: لو كان لصهيب أن يكون مرجعًا علميًا كما أرادوا أن يصفوه، فما الذى منع كفار مكة أن يأخذوا عنه، كما أخذ صاحبهم؟ وبذلك كانوا يستريحون من عنائه، ويداوونه من جنس دائه، بل ما منع صهيب أن يبدى للعالم صفحته، فينال في التاريخ شرف الأستاذية، أو يتولى بنفسه تلك القيادة العالمية؟ بل ما منعه أن يدعى النبوة، فينسب لنفسه هذا المجد والفخار؟ ( [iv] ) إن في عدم ادعاء صهيب شئ مما سبق، وعدم ثبوته عنه، مع صحة إيمانه برسول الله صلي الله عليه وسلم، دليل على صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم، في دعواه النبوة، وفى عصمته صلي الله عليه وسلم في كل ما بلغ من وحى ربه

خامسًا: ما زعموه من أنه صلي الله عليه وسلم، تلقى الوحى من علماء أهل الكتاب في عصره محض افتراء يرده القرآن الكريم الذى حفل بجدالهم ومحاوراتهم في العقائد والتواريخ والأحكام

فالناظر في محاورات القرآن لهم يرى بأى لسان يتكلم عنهم القرآن الكريم. إنه يصور علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الضلالات، ومعارفهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها المنكرات

نعم. لا يعقل أن يصفهم القرآن بذلك ثم يقفون من صاحب هذه النبوة موقف المرشد والناصح! اقرأ إن شئت قول الله تعالى: وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يأفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون { ( [iv] ) وقال تعالى: } وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم { إلى أن قال عز وجل: } وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ( [iv] )

وغير ذلك كثير مما هو منثور في ثنايا سور القرآن الكريم، وهو سهل المنال لمن طلبه. مما يفيدك بأن قومًا أمثال هؤلاء لا يعقل - وحالهم هكذا - أن يتلقى عنهم رسول الله صلي الله عليه وسلم، بل إنك ترى فيه معلمًا يصحح لهم أغلاطهم، وينعى عليهم سوء حالهم

فلو كانوا معلمين له صلي الله عليه وسلم، لمدحهم، وجاملهم، وتودد إليهم، وتقرب منهم، ولم يقف منهم هذا الموقف العدائى، حتى لا يفضحوا أمره، ويكشفوا حاله

ثم إن كثيرًا من هؤلاء الذين يزعمون أنهم كانوا مصدر الوحى، قد أسلموا، وإسلامهم حجة قائمة على صدق نبوة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وعصمته فيما بلغ من الوحى الإلهى، ولو كان هؤلاء أعانوا النبى صلي الله عليه وسلم على الوحى، وأنه ليس من عند الله، لكانوا أدرى الناس حينئذ بحقيقة الإسلام، وبالتالى كانوا سيكونون أبعد الناس عنه، لأنهم يعرفون أنه دين ليس صحيحًا، ولكن أما وقد أسلموا وأخلصوا لله تعالى، لاسيما وأنه كانت هناك منافسة كبيرة بين أصحاب الأديان المختلفة في ذلك الوقت، فإن ذلك كان لاستئصال ألسنة الخراصين، حتى يصابوا بالخرس رحمة بالتاريخ الذى كم لوثوه بألسنتهم هذه. وصدق رب العزة: ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيد بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب { ( [iv] ) وقال عز وجل: } قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين ( [iv] )

سادسًا: من أقوى ما يدل على أن الإسلام لم يكن مقتبسًا من اليهودية أو النصرانية، وجود الخلاف في كثير من العقائد والأحكام؛ بل جعل الشارع الحكيم جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا له، ومن متطلبات الشرع، وهناك كثير من الأحكام جعلت العلة فيها هى مخالفة اليهود أو النصارى من ذلك:

1-قوله صلي الله عليه وسلم:"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" ( [iv] )

2-وقوله صلي الله عليه وسلم:"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" ( [iv] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت