فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد شارك أولئك الرسامون في إنجاز العمل الضخم المسمى وصف مصر - Description de L'Egypt Description de L'Egypt - بأمر من نابليون نفسه ، وصدرت تعليقات ولوحات في شروح وتفاصيل حواها كتاب عظمة مصر Splender of Egypt ، الذي يكشف عن المقدرة الهائلة على التجسس الفني لدى هؤلاء .
وكان الرسامون يقومون مقام الكاميرات والسينما والتلفزيون الآن ، فلم يتركوا حجرًا ولا زقاقًا ولا ظاهرة إلا صوروها بدقة بالغة باهرة ، تعكس حرصهم الشديد على نقل كل شيء إلى فرنسا الاستعمارية العتيدة ، حتى إنك لتعجب من أنهم كانوا ينقلون الخطوط الموجودة - على خفائها ودقتها - من المساجد والأسبلة والتكايا والقصور والمقابر بدقة غير عادية ، وكانوا ينقلون الكتابة الهيروغليفية من المعابد الفرعونية ببراعة متناهية ، وحرصوا على نقل عادات الناس وتقاليدهم ، شوارعهم وحرفهم ، وأزيائهم واحتفالاتهم وخلواتهم وجلواتهم ، ودخلوا (الحريم) فصوروا النساء في المخادع ، والحمامات فصوروا الناس عراة ، واختلطوا بالشعب في الموالد والأفراح والأتراح وغيرها .
ويسّر دخولهم إلى العالم الإسلامي - كله تقريبًا - سقوط بلاد الشرق في أيدي القوى الاستعمارية المختلفة بعد سقوط الجزائر سنة 1983م .
قدسية الاستشراق الفني:
ومن أشهر الرسامين الذين جاؤوا ضمن الحملات الاستعمارية الفنان الشهير والمستشرق الفرنسي ديلا كروا De La Croix الذي وثّق رحلته إلى المغرب العربي في لوحات مشهورة وكثيرة عن النساء الجزائريات .
وتبعه كثيرون إلى أنحاء المغرب العربي ومصر والشام وجزيرة العرب ، حتى صار السفر إلى هذه البلاد بالنسبة للمصورين ( أكثر أهمية من الحج إلى إيطاليا ) كما قال الشاعر تيوفل جوتييه Gotier .
من أشهر الرسامين المستشرقين كيس فان دوننجن ، وأندره لوت ، وبيزومب ، وليوبولد كارل مولر ، وفوروسيلا ، وهارنتس ، وبتشي .. (الذين رسموا لوحات - أو وثقوا بدقة - عن: سوق طنطا وسوق العبيد وقارئي البخت ومروضي الثعابين ، والحريم ، والرقص ، ومواكب رمضان ، ورقص الدراويش وغير ذلك .
الاستشراق اللغوي المشبوه: فن الاتصال:
وفي الجانب اللغوي حرصوا - ولا يزالون - على إتقان اللهجات بأدق دقائقها وخصوصياتها ، ليكون ذلك عونًا لهم على التنصير ، وعلى بث ما يريدون من أفكار بين العامة ، وقد ذكر شاتليه في (الغارة عن القسيس 36 على العالم الإسلامي) - ص 36 - عن القسيس (فليمنج) أنه أمر أعوانه أن يتعلموا اللهجات العربية العامية ، واصطلاحاتها ، نظريًا وعمليًا ، وأن يخاطبوا المسلمين على قدر عقولهم ومستوى علمهم ، وألا تتخلل خطاباتهم كلمات أجنبية غريبة على آذان الناس حتى ينجحوا في استمالتهم .
لهذا لا نعجب من حرصهم - بجانب تعلم الفصحى والتعرف إلى مصادرها الكبرى - على معرفة العاميات ، والتدقيق فيها ، وتجهيز المعاجم لها ، وترجمة الأناجيل إلى اللهجات العامية المختلفة ، ولقد رأيت صفحات من ترجمة الأناجيل بلهجة أهل الخليج ، وأخرى بلهجة أهل صعيد مصر !!
ولهذا فإننا بالبحث غير المتعمق يمكن أن نجدهم قد كتبوا دروسًا في المصرية الدارجة واللهجات الفلاحية في جنوبي مصر العليا ، ولهجة العوامرة في محافظة الشرقية ، ولهجة الدمشقيين ، ولهجة أهل حماة ، واللهجات المحلية في الأردن وفلسطين وسوريا والعراق والسودان ومكة وزنجبار والمغرب وتونس وعشرات غيرها .. وتخصص في ذلك من كبارهم كراتشكوفسكي ، وبريل وكريستمان ، وشولتنس ، ومولر وباور ، وبلانك وغيرهم.
الاستشراق الاجتماعي: فحص جسد الأمة:
وعن الجانب الاستشراقي الاجتماعي حدّث ولا حرج ، فقد عاش مئات من المستشرقين يذرعون جيئة وذهابًا بلاد المسلمين ، ويستقرئون عقائدهم وعوائدهم ، ويتأملون سلوكياتهم وأحوالهم ، وتسللوا متلصصين ابتداء بأهون النجوع شأنًا وحتى البلاطات وكراسي الحكم ؛ ليدرك كثير من دارسي علوم الاجتماع المسلمين - فيما بعد - أنهم قاموا بدور الجاسوس الممهد للحملات الاستعمارية العسكرية .
وقد ذكر الدكتور محمد محمد حسين عليه رحمة الله: ( أن دراسات الفلكلور والممارسات الشعبية والاجتماعية انصرفت - في أكثر الأحيان - إلى المجتمعات المتخلفة وإلى المستعمرات ، بقصد التعمق في تحليل نفوس أصحابها ، وإدراك نوازعها ودوافعها ، وفهم ما ينتظم عواطفها وتفكيرها ) .