(2) ... سورة الزمر آية 23.
للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله (1) يعني في العلانية وباللسان.
... وقال آخرون: نزلت في المؤمنين، قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلا أربع سنين. (2)
... وقيل: هي خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لانه قال عقيب هذا: {والذين آمنوا بالله ورسله} (3) ، أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل، أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم. (4)
... فهذه أقوال المفسرين في سبب نزول الآية، وعلى قول من قال: إنها نزلت في المنافقين أو في أهل الكتاب، فلا وجه لتنزيلها على الصحابة بحال.
... وأما على القول بنزولها فيهم: فإنها لا مطعن فيها على الصحابة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... سورة الحديد آية 16.
(2) ... انظر: تفسير البغوي 4/297، وتفسير القرطبي 17/240.
(3) ... سورة الحديد من الآية 19.
(4) ... انظر: تفسير القرطبي 17/240.
لأن غاية ما في الآية هو حثهم على أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل عليهم من القرآن، وأن أوان ذلك قد حان، دون أن تتعرض الآية لذمهم أو تنقصهم.
... قال الطبري في معنى الآية: «ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله فتخضع قلوبهم له، ولما نَزَل من الحق، وهو هذا القرآن الذي نزله على رسوله (» .(1)
... وقال ابن كثير: «يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه» . (2)
... وليس في الآية ما يدل على نفي أصل الخشوع من القلب، وهو الخشوع الواجب -كما ادعى هذا الرافضي الحاقد- بل وصف الله تعالى لهم بالإيمان في قوله: {ألم يأن للذين آمنوا} دليل على أن أصل الخشوع موجود، لكنه أراد أن ينقلهم إلى درجة أعلى منه، وذلك أن الخشوع منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب.
... قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب، قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تفسير الطبري 11/681.
(2) ... تفسير ابن كثير 2/310.
مقتصد، وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة». (1)
... وعلى هذا فالخطاب في الآية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع، دون من بلغها من الصحابة، يؤيد هذا ما
نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية حيث قال: (نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء) . (2)
... وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع وكثرة البكاء لبعض الصحابة قبل نزول هذه الآية، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق - (- من رواية عائشة -رضي الله عنها- في قصة جوار ابن الدّغنّة لأبي بكر في بداية البعثة وفيها: (... ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف(3) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر -(- رجلًا بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... مجموع الفتاوى 7/29.
(2) ... فتح القدير للشوكاني 5/172.
(3) ... أي يزدحمون، النهاية لابن الأثير 4/73.
المشركين). (1)
... وهذه الحادثة في بداية البعثة وهي قبل نزول الآية قطعًا، فإن الآية في سورة الحديد، وسورة الحديد مدنية.
... وأما زعمه أن نزول الآية في الحث على الخشوع كان بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فهذا إن جاء في بعض الروايات فهو معارض بما جاء في غيرها.
... فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن) . (2)
... وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود - (-(ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآيه {ألم يأن للذين آمنوا..} إلا أربع سنين) . (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... أخرجه البخاري في: (كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد النبي
... فتح الباري 4/475-476، ح: 2297، وأخرجه أيضًا في: (كتاب ... الصلاة، باب المسجد يكون في الطريق) فتح الباري 1/563،564، ... ح476.
(2) ... ذكره البغوي في تفسيره 4/297، وابن كثير في تفسيره 4/310.
(3) ... أخرجه مسلم (كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {ألم يأن للذين ... آمنوا ...} ) ... 4/2319، ح3027.