... ورواية ابن مسعود أصح من غيرها فإنها في صحيح مسلم، وهي دليل على أن عتاب الله لهم بالآية كان في بداية إسلامهم، خلافًا لما زعمه الرافضي أنه بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن.
... وأما طعن الرافضي في الصحابة بزعمه أنه لم تخشع قلوب السابقين منهم فكيف بمن أتى بعدهم...!
... فهذه دعوى باطلة وفرية ظاهرة، يردها ما ثبت في سيرة
الصحابة -(- من أخبار تدل على تحقيقهم أعلى مقامات الخشوع، وشدة خوفهم من الله وكثرة بكائهم من خشيته مما لاينكره إلا مكابر أو جاهل.
... فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أنس - (- قال: (خطب رسول الله ( خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قال: فغطى أصحاب رسول الله( وجوههم لهم حنين...) . (1) وفي رواية مسلم (خنين)
... والحنين هو: الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر، والخنين:
من الأنف (2) ، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله (.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فتح الباري 8/280، ح4621، وصحيح مسلم (كتاب الفضائل، باب توقيره(..) 4/1832، ح2359.
(2) ... فتح الباري لابن حجر 8/281.
... وفي رواية أخرى لمسلم: (فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله .(1)
... وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة، بل كان بعضهم معروفًا به
مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ففي الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- في أمر النبي ( أبا بكر أن يصلي بالناس:(...فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لايملك دمعه) .
... وفي روايه: (إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء) . (2)
... وفي الحلية لأبي نعيم عن عبدالله بن عيسى قال: (كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء) . (3)
... وعن هشام بن الحسن قال: (كان عمر يمر بالآيه في ورده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... أخرجها مسلم من حديث أنس (كتاب الفضائل، باب توقيره(..) ... 4/1832.
(2) ... أخرج الحديث الشيخان واللفظ الأول لمسلم والثاني للبخاري، صحيح ... البخاري (كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالامامة) فتح الباري ... 2/164، ح679، صحيح مسلم (كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام ... إذا عرض له عذر..) 1/313.
(3) ... حلية الأولياء 1/51.
فتخنقه فيبكي حتى يسقط). (1)
... وعن عثمان -(- أنه جاء إلى بيت النبي ( فأخبرته عائشة -رضي الله عنها- أنهم لم يطعموا طعامًا منذ أربعة أيام، قالت عائشة -رضي الله عنها-:(فبكى عثمان ثم قال: مقتًا للدنيا، ثم أحضر لهم
طعامًا كثيرًا وصرة دراهم). (2)
... وعن عبدالرحمن بن عوف - (- أنه أتي بصحفة فيها خبز ولحم فلما وضعت بكى فقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله ( ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير منها.(3)
... وكان ابن عمر لا يذكر النبي ( قط إلا بكى.(4)
... وأخبارهم في ذلك تطول، وإنما ذكرت هنا أمثلة، للرد على ما افتراه هذا الرافضي في حق الصحابة، وزعمه عدم خشوعهم وخشيتهم، وبيان براءتهم من طعنه وقدحه بهذه الأمثلة الدالة على قوة إيمانهم وشدة خوفهم من الله تعالى، وحسبهم قبل ذلك وبعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... حلية الأولياء 1/51.
(2) ... أورده ابن قدامة المقدسي في الرقة والبكاء ص188.
(3) ... أورده أبو نعيم في الحلية 1/100.
(4) ... رواه الدارمي في سننه 1/54 ح86.
تزكية الله ورسوله لهم، وما ثبت في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة فرضي الله عنهم أجمعين، وأعلى درجاتهم في جنات النعيم.
... فثبت بهذا الاستعراض لما ذكره المؤلف من آيات زاعمًا أنها دلت
على الطعن في الصحابة، ثم الوقوف على النصوص الأخرى وأقوال أهل العلم المفسرة لهذه الآيات، والموضحة لمقصودها، والمبينة لأسباب نزولها: بطلان ما ادعاه الرافضي في حق الصحابة، وأن هذه الآيات لا تدل بحال على ذم الصحابة أو تنقصهم، وإنما يحمل الرافضة على تأويلها على غير مراد الله منها وتحريفها عن مواضعها، ماامتلأت به قلوبهم من حقد وضغينة على أصحاب رسول الله ( هذا مع ماعليه هؤلاء الرافضة من جهل عظيم بالشرع، ونقص كبير في العقول، وبلادة في الأفهام، مصحوب ذلك بهوى وظلم وكذب وافتراء.
... ولذا ذكر شيخ الإسلام في وصفهم: «والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلًا بعد جيل» . (1)
... وفي ختام هذا المبحث المتعلق بالرد على المؤلف في ما يستدل به