فهرس الكتاب

الصفحة 3879 من 4557

... وأما قول المؤلف في حق الصحابة: «وهم الذين اختلفوا في

تفسير كتاب الله، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت المذاهب والفرق، والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة وبرزت فلسفات متنوعة....

... إلى أن قال: فالمسلمون لم ينقسموا، ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة، وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة».

... فجوابه: أن هذا من أكبر التلبيس والتمويه، والطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما هم منه برآء، فما ينقل عن الصحابة من اختلاف في التفسير، وفي فهم بعض الأحاديث، لم يترتب عليه ما ذكر من نشأة الفرق والمدارس الكلامية والفلسفات المتنوعة.

... وذلك أن الاختلاف ينقسم إلى قسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد (2) ، وغالب ما ينقل عن الصحابة في تفسير بعض الآيات، من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... سورة الحشر 10.

(2) ... انظر: مجموع الفتاوى 6/58.

... قال: «الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب مايصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد» . (1)

... ثم ذكر -رحمه الله- أن اختلاف التنوع يرجع إلى أمرين:

... الأول: أن يعبر كل واحد من السلف بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على المعنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فيقول بعضهم: بأنه هو القرآن أو اتباع القرآن، ويقول آخر: هو الإسلام، أو دين الإسلام، ويقول آخر: هو السنة والجماعة، ويقول آخر: طريق العبودية، أو طريق الخوف والرجاء والحب، أو امتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الأسماء والعبارات.

... الثاني: أن يذكر كل واحد من السلف الاسم العام ببعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ (الخبز) فأُري رغيفًا وقيل له: هذا فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده. (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... مقدمة في أصول التفسير ص10.

(2) ... انظر: مقدمة في أصول التفسير لشيخ الاسلام ابن تيمية ص10-12، ... ومجموع الفتاوى 13/381-382.

... قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعامة الاختلاف الثابت عن

مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب». (1)

... ومن هنا يظهر أن هذا النوع من الاختلاف -وهو الغالب على ما ينقل عن الصحابة من اختلاف في التفسير- لا أثر له في الاختلاف في استنباط الأحكام من الآيات، وتنازع الأمة من بعدهم في ذلك، فضلًا أن يكون سببًا لنشأة الفرق والنحل، والمدارس الفلسفية والكلامية كما يدعي الرافضي.

... أما اختلاف الصحابة الراجع إلى القسم الثاني وهو اختلاف التضاد فما يثبت عنهم من ذلك سواء في التفسير، أو في الأحكام، فقليل وهو ليس في الأصول العامة المشهورة في الدين، وإنما في بعض المسائل الدقيقة التي هي محل اجتهاد ونظر.

... يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن ذكر أن عامة ماينقل عن الصحابة والسلف من الخلاف في التفسير من باب اختلاف التنوع: «ومع هذا فلابد من اختلاف مخفف بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام، ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من اختلاف،معلوم بل متواترعند العامة أو الخاصة، كما في عدد الصلوات ومقادير ركوعها ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونصبها، وتعيين شهرـــــــ

(1) ... مجموع الفتاوى 13/381.

رمضان، والطواف، والوقوف، ورمي الجمار، والمواقيت وغير ذلك.

... ثم اختلاف الصحابة في الجد والإخوة، وفي المشركة ونحو ذلك لايوجب ريبًا في جمهور مسائل الفرائض...». (1)

... وهذا النوع من الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم لم يكن سببًا في تفرقة الأمة، ونشأة البدع كما زعم هذا الرافضي المفتري، ذلك أنه لم يكن في الأصول العامة لهذا الدين، التي حصل الخلاف فيها بين أهل السنة وأهل البدع، وإنما كان في مسائل جزئية ودقيقة، الاجتهاد فيها سائغ والخطأ فيها مغفور، لأنه ناشئ عن اجتهاد من غير تعمد للمخالفة، وقد ثبت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أن أفرادًا منهم أخطأوا في بعض المسائل مجتهدين، كما في قصة عدي بن حاتم - (- لما اتخذ عقالين أحدهما أسود، والآخر أبيض، فجعل ينظر إليهما ظنًا(2) منه أن هذا هوالمقصود من قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} (3) ، واختلف الصحابة إلى فريقين في فهم قصد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت