فهرس الكتاب

الصفحة 4365 من 4557

وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي وسأله رجل عن مسألة ، فقال له رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة كذا وكذا ، فقال له السائل: يا أبا عبد الله تقول به ؟ قال: فرأيت الشافعي أرعد وانتفض ، وقال: يا هذا أي ارض تُقِلُّني ، وأي سماء تُظِلني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلم أقُل به ؟ نعم عَلَيَّ السمع والبصر .

وحدّث أبو معاوية الضرير هارون الرشيد بحديث"احتج آدم وموسى"فقال رجل شريف: فأين لقيه ؟ فغضب الرشيد وقال: النطع والسيف ! زنديق يطعن في الحديث . فما زال أبو معاوية يسكِّنه ويقول: بادرة منه يا أمير المؤمنين . حتى سكن .

قال الإمام الذهبي بعد أن ساق قول أبي قلابة:"إذا حَدَّثْتَ الرجل بالسُّنة فقال: دعنا من هذا ، وهات كتاب الله ، فاعلم أنه ضال ."

ثم علّق عليه بقوله:

قلت أنا: وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد وهات العقل ، فاعلم أنه أبو جهل !!

وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا مِن النقل ومِن العقل وهات الذوق والوجد فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر ، أو قد حَلّ فيه ! فإن جبنت منه فاهرب وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه ! انتهى كلامه .

وقال أبو سليمان الداراني: إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة .

وقال النصر آبادي: أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة ، وترك الأهواء والبدع ، والاقتداء بالسلف ، وترك ما أحدثه الآخرون ، والإقامة على ما سلكه الأولون .

فلا يَجوز اطِّراح الأحاديث وردّ الأدلة بهذه الصورة بِدعوى التماشي مع روح العصر - زعموا - أو مُسايرة الواقع !

ثانيًا: لا بُدّ أن يُعلَم أن الشريعة الإسلامية جاءت بتحقيق المصالح وتكميلها ، وإعدام المفاسد وتقليلها .

وأنها لا تأمر بشيء إلا ومصلحته مُتحقِّقَة أو راجحة ، ولا تنهى عن شيء إلا ومفسدته مُتحقِّقَة أو راجحة .

فليست ألأوامر والنواهي لمجرّد التكليف ، ولا لتعذيب العباد لأنفسهم ، بل هي الغاية في تحقيق المصالح ودفع المفاسد والْمَضارّ .

كما أن الشريعة الإسلامية جاءت بِحفظ الضرورات الخمس ، وهي:

الدِّين والعقل والنَّفْس والعِرض والمال .

قال الإمام الشاطبي: فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وُضِعتْ للمحافظة على الضروريات الخمس ، وهي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل وعلمها عند الأمة كالضروري

وقال: فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تَفَصَّلَتْ في السُّنة . اهـ .

ومن هذا الباب حِفظ المرأة ، وأن لا تُسافر إلا مع ذي مَحرَم ، ليس لِعدم الثقة بها ، وإنما من باب المحافظة عليها ، لأنها ضعيفة في اصل خِلقتها ، إذ خُلِقتْ من ضعف مُضاعَف ، كما في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) فالرّجل خُلِق من ضعف ، ومن هذا الضعف خُلِقتْ حواء ، كما في قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) .

وهذا الضعف أنسب للمرأة إذ هو أنسب للأنثى لتكون أرقّ وألطَف ، ولتكون أحْنَى على ولدها ، وطبيعة المرأة شاهدة بذلك .

ثم إن ما يُحفَظ هو ما يكون له قَدر كبير ، وله مكانة في النَّفْس ، ويَعزّ على الإنسان أن يَفقِده

ألا ترى أن الإنسان يُغلق الأبواب على أمواله ، بينما يَطَّرح الزَّبَل في ممرّ الكِلاب ؟!

فالحضارة الغربية جَعَلتْ المرأة بمنْزِلة الزِّبَالة !

بينما الإسلام جَعَل المرأة بمثابة الدّرة والجوهرة النفيسة .

فالإسلام حفِظ المرأة من كل ما يَشينها أو يَخدش حياءها .

وحفِظ لها كرامتها وصانِها ، ولذا شُرِع جلد من قَذَف مُسلِمة عفيفة ، واعتُبِر ذلك في الإسلام من الْمُهْلِكات ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات - وَذَكَر منهن -: وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات . رواه البخاري ومسلم .

ثالثًا: ما يتعلق بِسفر المرأة من غير مَحرَم:

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سفر المرأة من غير مَحرَم ولو كان ذلك لأداء فريضة الله التي فَرض على عباده ، ولو كان ذلك لأداء فريضة الحج .

ولذا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يخلوَنّ رجلٌ بامرأةٍ إلاّ مع ذي مَحْرَم ، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم . قام رجلٌ فقال: يا رسولَ الله امرأتي خَرجَت حاجّةً ، واكتَتَبتُ في غزوةِ كذا وكذا ، قال: انطلق فحُجّ مع امرأتِك . رواه البخاري ومسلم .

فهذا الرجل لم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج للجهاد في سبيل الله ويترك امرأته تذهب للحج

بل أمره أن ينطلق ليحجّ مع امرأته

وفي تعبيره صلى الله عليه وسلم بـ"انطلق"ما يدلّ على السرعة .

كما أنه عليه الصلاة والسلام لم يسأله: هل امرأتك مع رفقة صالحة ؟ ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت