فهرس الكتاب

الصفحة 4483 من 4557

ترى خالدة سعيد ان المرأة العربية كائن بغيره لا بذاته، إذ تحدد هويتها بكونها (زوجة فلان أو بنت فلان أو أم فلان أو أخته... هي أنثى الرجل، هي الأم، هي الزوجة، وهي باختصار تعرف بالنسبة إلى الرجل، إذ ليس لها وجود مستقل، إنها الكائن بغيره لا بذاته، ولأنها كائن بغيره فلا يمكنها، في إطار الأوضاع التقليدية، أن تعيش بذاتها، لا هي تشعر الاكتمال بذاتها، ولا المجتمع يقبلها ككائن بذاته، إنها المثال النموذجي للاغتراب، ذلك ان واحدًا من أبعاد شخصيتها يطغى على سائر الأبعاد، أو على انسانيتها كلها، وما دامت كائنًا موجودًا بغيره، فهي تسعى بكل الوسائل إلى الدخول في آلة مهما صار إليه وضعها في هذه الآلة، والآلة التقليدية هي مؤسسة الزواج) ، ضمن هذا الاطار التقليدي ترتبط قضية المرأة بالنظام الطبقي، فحيث تكون العلاقات علاقات (بين سيد ومسود، يصعب أن تجد فيه المرأة الحرية الحقيقية، وأن تستعيد فيه انسانيتها) فتعاني المرأة من (اغترابين: اغتراب طبقي واغتراب على صعيد البنية التحتية في نطاق الأسرة، فهي عبدة العبد، حتى لقد رأي ماركس في علاقة الرجل بالمرأة خلاصة اضطهادات الانسان واغتراباته، وليس مؤكدًا أن تتحرر بتحرر البروليتاريا، فقد لايرفعها هذا إلا درجة واحدة في سلم العبودية، إذ ان استغلال المرأة لاينتفي بالضرورة بانتفاء الاستغلال الاقتصادي وإن كانت الأسباب الاقتصادية في أصل استعباد الرجل للمرأة) ، وضمن هذا الاطار الطبقي لايعني التخلص من (الحجاب) ولبس (الميني جوب) أن المرأة قد تحررت حقًا، فكلاهما (في مستوى واحد باعتبار الحالين اقرارًا بأن المرأة أولًا وآخرًا جسد يمتلك ويصان ويخبأ أو يعرض) .

وتفضح الطبيبة المصرية نوال السعداوي الازدواجية الأخلاقية في علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع العربي المعاصر، (فالأب الذي يضرب ابنته لأنها حادثت زميلًا لها يخون زوجته في معظم الأحيان، والأخ الذي يتظاهر بالتدين بالنهار يمد يده في الليل ليلمس جسد أخته الصغيرة) ، وتتجلى هذه الازدواجية أيضًا من خلال القيم التجارية السائدة التي تشجع (عرض أفلام الجنس والرقصات العارية وأجساد النساء وتأوهات المطربين والمطربات ليل نهار في الراديو والتلفزيون وعرض الأفخاذ والنهود العارية في صفحات المجلات، ويصبح علي البنت المصرية أن تحل وحدها المعادلة الصعبة، عليها أن تتشبع بهذه الأفلام والصور والأصوات الصارخة بالجنس والشبق، وعليها في الوقت نفسه إلا تتأثر بها) ، وتعتبر السعداوي أن علاقة الزوج بالزوجة تشبه علاقة السيد بالعبد فلا تختلف (ملكية الرجل للمرأة كثيرًا عن ملكية السيد للعبد، فالرجل يشتري المرأة بمقدم الصداق، وينص عقد الزواج في أول بنوجه على أن الزوجة ملك لزوجها واجبها الطاعة المطلقة، وتخدم الزوجة في بيت زوجها بغير أجر فإن عصيت أو تذمرت أو مرضت أو وهنت باعها الرجل بحقه المطلق في الطلاق) ، وتدعم السعداوي استنتاجها هذا بالعودة إلى نص المادة (67) من مواد قانون الزواج في مصر الذي يقول (لاتجب النفقة للزوجة إذا امتنعت مختارة عن تسليم نفسها بدون حق، أو اضطرت إلى ذلك بسبب ليس من قبل الزوج. كما لاتستحق النفقة إذا حبست ولو بغير حق، أو اعتقلت، أو غصبت، أو ارتدت، أو منعها أولياؤها، أو كانت في حالاة لايمكن الانتفاع بها كزوجة) ، كذلك تذكر السعداوي انه كما كان العبيد يخصون لتفرض عليهم العفة فقد كانت الإناث في المجتمع المصري تجرى لهن عملية الختان التي هي أشبه ما تكون بالاخصاء لفرض العفة عليهن، ولأن (الرجل يشتري المرأة بالزواج لتخدمه وتكون أداة أمتاعه ووعاء ينجب أطفاله فهو يختار تلك الفتاة التي تصغره في السن بأعوام كثيرة ليظل جسدها شابًا قادرًا على الخدمة والانجاب طوال حياتها معه) ، وفيما يتعلق بتغيير وضع المرأة وتحريرها ترى السعداوي (إن تحرير المرأة لا يمكن أن يحدث في مجتمع رأسمالي، وان مساواة المرأة بالرجل لايمكن أن تحدث في مجتمع يفرق بين فرد وفرد، وبين طبقة وطبقة، ولهذا، فإن أول ما يجب أن تدركه المرأة أن تحريرها إنما هو جزء من تحرير المجتمع كله من النظام الرأسمالي) .

إن التيار التحرري يرفض ادعاء المساواة والتسويغات التي يلجأ إليها بعض الذين يعترفون بعدم وجود مساواة، ويرفض التفسيرات التقليدية التي تنسب تخلف المرأة لعوامل طبيعية وليس للعوامل الاجتماعية التي تربط بين التخلف وبين عزل المرأة عن المشاركة في الحياة العامة وتجريدها من مسؤولياتها.

ان أوضاع المرأة الاجتماعية والاقتصادية وليس طبيعتها الجسمانية هي التي تحيلها إلى كائن مغترب، ويسبب الأوضاع السائدة التقليدية تتحول المرأة إلى كائن يتصف بما يلي:

ـ انها مضطرة أن تعتمد على الزواج، وبدونه يعتبرها المجتمع عانسًا (وليس للرجل الذي يظل عازبًا مثل هذا اللقب السلبي) وعالة وموضوع سخرية أو شفقة أو كليهما معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت