فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 4557

وهذا يقودنا إلى التأكيد على أن الإسلام منح المرأة استقلالية الذمة المالية وذلك قبل كل الحضارات والأديان الأخرى. فالديانة اليهودية مثلا تعتبر أن المرأة وكل ما تملكه ملكا لزوجها يتصرف هو في مالها بحرية وليس لها الحق في مراجعته. وكان هذا هو حال المرأة الغربية في أوروبا منذ القرون الوسطى وحتى نهاية القرن التاسع عشر، بينما المرأة المسلمة تمتعت بحق استقلالية الذمة المالية منذ ظهور الإسلام الذي كفل لها حق البيع والشراء وإبرام العقود دون أي تدخل من أي رجل سواء أكان أبا أو أخا أو زوجا أو ابنا.

أما الافتراء الأكثر انتشارا في الغرب فمفاده أن المرأة المسلمة محبوسة في بيتها وممنوعة من ممارسة حقوقها الاجتماعية وحقوقها السياسية فهذه الافتراءات ربما كانت مطبقة في بعض المجتمعات الإسلامية المنغلقة على نفسها ولكن ذلك يرجع إلى البيئة والى العادات والتقاليد العتيقة المتوارثة في تلك المجتمعات وليس منبعها الدين الإسلامي حيث أن الإسلام أقر حقوق المرأة الاجتماعية كما أقر حقوقها السياسية. لقد منح الإسلام المرأة حق المشاركة في الشئون الاجتماعية للمجتمع الإسلامي مثلما جاء في الآية الكريمة التي تؤكد على أن رأي المرأة لا يقل عن رأي الرجل وأنها تشترك معه في الأمر والنهي في المجتمع الإسلامي"المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله..." (التوبة، الآية 71) . وفي هذه الآية الكريمة تأكيد على أن المرأة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر تماما مثلما يفعل الرجل بين الناس جميعا رجال ونساء وليس فقط فيما يختص بأمور النساء والأطفال ولكن في كل الأمور المتعلقة بالدين والحياة والمجتمع والناس بدون أية تفرقة بينها وبين الرجل، ولذلك استخدم القرآن الكريم صيغة الجمع المؤمنون والمؤمنات ولم يستخدم صيغة المفرد الذكر والأنثى. وكل هذه المعالم لشخصية المرأة المسلمة يلخصها لنا الحديث النبوي الشريف"النساء شقائق الرجال"والشقيق هو الأخ من الأب الذي يتساوى معك في جميع الحقوق.

أما بالنسبة لما نطلق عليه حاليا مصطلح الحقوق السياسية أي حق المواطن في أيه دولة في اختيار الحاكم والإدلاء بصوته لصالحه، فان الإسلام قد كفل تلك الحقوق للرجل وللمرأة على حد سواء.

وهذا ما فعلته النساء عندما بايعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الرجال تحت الشجرة. والمبايعة أو البيعة معناها اختيار الحاكم بالانتخاب والتصويت طبقا لمصطلحاتنا الحديثة، فكتب السيرة تنقل لنا أن النساء المسلمات اشتركن في بيعتي العقبة الأولى والعقبة الثانية طبقا لما ذكرته الصحابية الجليلة أميمه بنت رقيقة حيث قالت"جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نسوة نبايعه فقال لنا: فيما استطعتن وأطقتن".

وهذه المشاركة النسائية في البيعة للرسول الكريم تعتبر إقرارا لحقوق المرأة السياسية طبقا لمصطلحاتنا اليوم إذ أن بيعة العقبة تعتبر عقد تأسيس الدولة الإسلامية الأولى في يثرب.

وهناك افتراء آخر شديد الانتشار ومفاده أن المرأة المسلمة ليس لها رأي في مسألة زواجها واختيار شريك حياتها وان رجال أسرتها سواء أبيها أو أخيها أو عمها هم الذين يختارون لها زوجها ويفرضونه عليها، وتلك مقولة ظالمة الإسلام برئ منها وان كانت بعض المجتمعات القبلية لا تزال أسيرة لمثل هذه التقاليد البالية التي لا تمت للإسلام بصلة حيث أن الإسلام منح المرأة حق اختيار زوجها ويكون عقد الزواج باطلا بدون موافقتها. فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال"لا تنكح الأيم حتى تستأمر، والبكر حتى تستأذن"، فقالت السيدة عائشة"يا رسول الله، البكر تستحي، قال:"رضاها صمتها"."

وروى البخاري عن امرأة تدعى خنساء بنت خدام الأنصارية زوجها أبوها من رجل بدون رضاها، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكت إليه أمرها، فرد نكاحه. وعن عبد الله بن عباس قال"جاءت فتاة بكر إلى رسول الله فشكت أن أباها زوجها من رجل وهي كارهة له فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين قبوله أو رفضه."

ونضيف إلى ذلك حق احتفاظ المرأة المسلمة باسمها الذي كفله الإسلام لها فهي تحتفظ باسمها واسم أبيها وعائلتها ولا ينمحي اسمها بالزواج من رجل حتى وان كان هذا الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فالتاريخ الإسلامي يذكر لنا النساء بأسمائهن وليس بأسماء أزواجهن هذه خديجة بنت خويلد وهذه عائشة بنت أبي بكر وهذه حفصة بن عمر ابن الخطاب لم يذكرهن أحد أبدا باسم زوجهن الرسول الكريم لم يذكرهن أحد أبدا باسم حرم محمد بن عبد الله. والاحتفاظ بالاسم إنما هو أكبر دليل على مساواة الإسلام للمرأة بالرجل فهي كائن مستقل مثلها مثل الرجل وليس مثل المرأة الأوروبية والأمريكية التي كانت حتى سنوات قليلة تفقد هويتها بالزواج وينمحي اسمها واسم عائلتها وتأخذ اسم زوجها وعائلته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت