فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بالنسبة لقول الإمام البيضاوي أن الوجاهة في الدنيا هي النبوة وفي الأخرة هي الشفاعة فليس فيه ما يثبت الألوهية لصاحب النبوة , بل إن هذا من كراماته النبوية عليه السلام , وهذه الشفاعة ليست الشفاعة العظمى التي خص الله بها نبيه محمد عليه الصلاة والسلام , إنما هي الشفاعة الصغرى والتي وعدها الله من شاء من خلقه من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء , قال تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } مريم87 , وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } طه109 , وقال تعالى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } سبأ23 , وقال تعالى: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } الزخرف86 , وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } الأنبياء28 , وقال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى } النجم26 , وقال تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} البقرة255 .
وقال عليه الصلاة والسلام: ( للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه ) ( أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجة ) , وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد: ( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة , يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه , ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان ) وقال عليه الصلاة والسلام: ( قد أعطى الله كل نبي عطية فكل قد تعجلها وإني أخرت عطيتي شفاعة لأمتي وإن الرجل من أمتي ليشفع للفئام من الناس فيدخلون الجنة وإن الرجل ليشفع للقبيلة وإن الرجل ليشفع للعصبة وإن الرجل ليشفع للثلاثة وللرجلين وللرجل ) ( أخرجه أحمد والترمذي ) . وقال عليه الصلاة والسلام: ( يوضع الصراط بين ظهري جهنم عليه حسك كحسك السعدان ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومجدوح به ثم ناج ومحتبس به منكوس فيها فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين العباد يفقد المؤمنون رجالًا كانوا معهم في الدنيا يصلون بصلاتهم ويزكون بزكاتهم ويصومون صيامهم ويحجون حجهم ويغزون غزوهم فيقولون أي ربنا عباد من عبادك كانوا معنا في الدنيا يصلون صلاتنا ويزكون زكاتنا ويصومون صيامنا ويحجون حجنا ويغزون غزونا لا نراهم فيقول اذهبوا إلى النار فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه قال فيجدونهم قد أخذتهم النار على قدر أعمالهم فمنهم من أخذته إلى قدميه ومنهم من أخذته إلى نصف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبتيه ومنهم من أزرته ومنهم من أخذته إلى ثدييه ومنهم من أخذته إلى عنقه ولم تغش الوجوه فيستخرجونهم منها فيطرحون في ماء الحياة قيل يا رسول الله وما ماء الحياة قال غسل أهل الجنة فينبتون نبات الزرعة وقال مرة فيه كما تنبت الزرعة في غثاء السيل ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا فيخرجونهم منها قال ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها ) ( متفق عليه ) .
فالمسيح يتساوى في هذا الأمر مع غيره من الأنبياء , ولو كان أمر الشفاعة خاصًا به عليه السلام فليس هذا دليلًا على ألوهيته , وإلا لكان محمد صلى الله عليه وسلم إلهًا , إذ هو صاحب الشفاعة الكبرى يوم الفزع الأكبر , يوم يتنحى الأنبياء عنها بما فيهم المسيح عليه السلام قائلين: إن الله قد غضب اليوم غضبًا عظيمًا !