لأ يا سيدي مش كده! من أين جئت بهذا الكلام، هل قال الكتاب المقدس أن الله خلق الإنسان عاقل زي الله وخالد زي الله؟ أم أن هذا هو مفهومك وتفسيرك الذي تريد أن تقحمه على الكتاب المقدس؟ إذا كان الله خلق الإنسان عاقل زي الله، فلا بد أنه كان يعرف الخير والشر، ولكن الكتاب المقدس يقول إن الإنسان لم يكن يعرف الخير والشر قبل أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولذلك بعد أن أكل منها يقول الكتاب عنه:"وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر" (تكوين23:3) ، إذن الإنسان لم يكن عاقلا مثل الله قبل أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. ثم تقول إن الإنسان خالد زي الله، ولكن الكتاب المقدس يبين أن الله لم يخلق الإنسان ليكون خالدا مثل الله، إذ يقول:"وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية" (تكوين7:2) ، أي أن الله خلق آدم من مادة، من تراب، ولو كان الله يريده أن يكون خالدا، لخلقه مثل الملائكة، ولما قال له بعد صدور الحكم عليه:"حتى تعود إلى الأرض التي أُخذتَ منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود". أي أن العقاب الذي أصدره الله عليه سوف يستمر حتى يعود إلى الأرض، وعودته إلى الأرض ليست بسبب العقاب ولكن بسبب أنه تراب فإلى التراب يعود. فأين الخلود الذي تدّعي به يا جناب القُمّص؟ اقرأ كتابك جيدا، وحاول أن تفهم ما هو مكتوب وليس ما تريد أن تلصقه بالنص. ليس هناك أي كلمة تشير من قريب أو بعيد إلى أن الله خلق الإنسان ليكون خالدا، بل بالعكس، هناك نص صريح على أنه سيعود إلى التراب لأنه خلق من تراب، ليس لأنه أخطأ، ولكن لأنه خُلق من تراب. فهل تريد منا أن نصدقك ونكذب الكتاب المقدس الذي تؤمن به، أم تريد منا أن نصدقك ونكذب ما قاله الله تعالى في جميع الأديان من أن هذه الحياة الدنيا هي فترة مؤقتة وسوف تنتهي لتبدأ بعد ذلك حياة أخرى، تقول عنها جميع الأديان أنها هي التي سوف يكتب لها الخلود؟
إن ما تقوله يا جناب القُمّص هو محاولة"فاشلة"لتبرير وجود الموت، فقد ظننت كما يظن البعض أن الموت يتعارض مع محبة الله للإنسان، ولذلك كان لا بد من اختراع سبب للموت بعيدا عن الله الذي تصفونه بأنه"محبة"، وكان المخرج من هذه الورطة هو أن تنسبوا سبب الموت لخطيئة آدم. وقد تحتج عليّ وتقول إن الكتاب يقول:"وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا، أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت" (تكوين16:2) ، ولعلك تستنتج من ذلك أنه لو لم يأكل آدم من الشجرة لعاش إلى الأبد، ولكن هذا الاستنتاج خاطئ لسببين، أولا: إن آدم لم يمت في اليوم الذي أكل فيه من الشجرة؛ ثانيا: إن الله بيّن وشرح معنى قوله"موتا تموت"، كما بيّن أيضا وشرح سبب عودته إلى التراب، فقال:"ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكا وحسكا تُنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزا" (تكوين17:3) كانت هذه هي العقوبة التي عبر الرب الإله عنها بقوله:"موتا تموت"، وسوف تستمر هذه العقوبة"حتى تعود إلى الأرض التي أُخذتَ منها"، أما لماذا يعود إلى الأرض؟ فيجيب الكتاب المقدس على ذلك بقوله:"لأنك تراب وإلى تراب تعود" (تكوين17:3) .
وهنا قد يحلو لجناب القُمّص أن يتهمني بالجهل، وأني لا أقرأ، وإذا قرأت لا أفهم، فيقول إن كلمة"يوم"في قوله"يوم تأكل منها"لا تعني يوم 24 ساعة، ولكن تعني ألف سنة، وبالتالي يكون قصد الرب الإله هو أنك سوف تموت في خلال ألف سنة. فإذا قلنا من أين أتيت بهذا المعنى؟ كانت الإجابة مثيرة للضحك والعجب، إذ سوف يذكر على الفور قول بطرس الرسول في رسالته الثانية الإصحاح 3 والعدد 8 حيث قال:"أن يوما واحدا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيوم واحد" (2بطرس8:3) . وعلى هذا يكون قوله"يوم تأكل منها موتا تموت"أي أنك إذا أكلت منها فإنك سوف تموت خلال ألف سنة.