فهرس الكتاب

الصفحة 909 من 4557

هذا هو الأسلوب الذي يتّبعه جناب القُمّص، إذ أنه يستعمل فقرات لا علاقة لها بالموضوع ويلوي معناها لتنطبق على الموضوع الذي يتكلم عنه. وتصوروا يا حضرات المشاهدين، هذا الرب الإله العاقل الحكيم، الذي يصدر حكما على إنسان، ولا يشرح له ما يقصده بكلمة"يوم تأكل منها"، وما إذا كان المقصود منها يوم كما هو معروف أو أن المقصود ألف سنة. ثم تأتي من بعد آدم أجيال وأجيال، وهم لا يعرفون أن كلمة يوم تعني ألف سنة، ثم يأتي موسى ويكتب التوراة، أي الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم، ولكنه لا يذكر شيئا عن أن اليوم يساوي ألف سنة، ثم تمر أجيال وأجيال ويأتي أنبياء يكتبون ويضيفون إلى العهد القديم، ولا يقولون شيئا عن أن اليوم يساوي ألف سنة، ثم تمر أجيال وأجيال، ثم يأتي السيد المسيح، ولا يذكر شيئا عن أن اليوم يساوي ألف سنة، ثم يأتي بطرس الرسول بعد أكثر من 4000 سنة بعد آدم، ويرسل لأصحابه رسالة ورسالتين، وفي الرسالة الثانية يذكر جملة تدل على أن الزمن لا يعني شيئا بالنسبة لله، وأن اليوم عنده كألف سنة والألف سنة كاليوم، وهنا تنفك العقدة، ويجد جناب القُمّص بطرس وزملاؤه معنى لتحديد طول اليوم الخاص بآدم فيقول إنه ألف سنة، مع أن الجملة التي كتبها بطرس الرسول لا تعني ذلك أبدا، بل إنها تعني أن الزمن لا يعني شيئا عند الله. فهل يوجد ما يثير الضحك أكثر من هذا؟

ثم يا جناب القُمّص، لقد شنّفت آذاننا بأن الله محبة، فلماذا تنسب إلى الله القسوة والظلم والسادية الفظيعة هذه؟ هل الله الذي هو محبة يتمتع بعقاب مخلوقه آدم الذي خلقه بمحبة كما تقول؟ لعلك تقول إن الله عادل أيضا، وأن عدله يستدعي تنفيذ العقوبة. ولن أخوض معك في هذه القضية الآن، ولكن العدل كما تراه أنت، وكما يراه كل إنسان عاقل، هو تطبيق العقوبة كما جاءت في القانون، والقانون الذي وضعه الله هو:"يوم تأكل منها موتا تموت". ولو سلمنا معك أن آدم كسر القانون وعصى الله، يكون من مقتضيات العدل أن يُطبق الحكم، وهو:"موتا تموت". فهل هذه هي العقوبة التي طبقها الله؟ إن كتابكم المقدس ينسب إلى الله أنه قال:"لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك". طيب وما ذنب الأرض؟ وهل لعنة الأرض كانت داخلة ضمن القانون الذي وضعه الله؟ وليس هذا فقط، وإنما يسترسل الرب الإله في تفصيل العقوبة التي لم تأت في القانون الذي وضعه بنفسه، فيقول:"بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، شوكا وحسكا تنبت لك وتأكل من عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزا"، وهو لم يكتف بهذا، بل إن هذا الرب الإله الرحيم العادل يقول للمرأة:"تكثيرا أكثّر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك"، مع أن المرأة المسكينة لم تكن تعرف أن كل هذه البلايا سوف تنصب على رأسها. كل ما كانت تعرفه هو ما قالته للحية:"من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلا تموتا". فهل من العدل أن يضع الله قانونا للعقوبة ثم عند التنفيذ يطبق عقوبة أخرى إضافية؟ هل يقبل أحد أن يقول القانون: من خالف إشارة المرور يدفع 100 جنيه غرامة، ولكن عندما يقع أحد في هذه الخطيئة، يتبين أنه سوف يقضي كل أيام حياته في الأشغال الشاقة المؤبدة، وأن زوجته سوف تُطرد من البيت، وأن أولاده سوف يُشرّدون، ثم عليه أيضا أن يدفع غرامة المائة جنيه؟ هل هذا هو العدل الذي تنسبونه إلى الله الذي هو محبة؟ اتفضل جاوب يا جناب القُمّص، هل هذا هو الحب الذي يحمله الرب الإله في الكتاب المقدس؟ وهل هذا هو العدل الذي تصرون على التمسك به وبضرورة تطبيقه؟ ولعلك تقول إن مخالفة إشارة المرور لا تعادل خطيئة آدم، هذا صحيح، ولكن مهما عظمت الخطيئة، فإن العدل يقتضي ألا يُزاد في حجم العقوبة عند التطبيق، وإنما يجب أن يُكتفى بتطبيق العقوبة التي جاءت في نص القانون دون أي زيادة، لأن أي زيادة هي مخالفة للعدل، بل هي عين الظلم.

ثم هل من العدل يا جناب القُمّص محاسبة إنسان لا يعرف الفرق بين الخير والشر؟ أنت تدّعي أن الله خلق الإنسان عاقل مثل الله، ولكن كتابك المقدس يقول إنه لم يكن يعرف الخير والشر، وكل ما قاله له الرب الإله هو أن يأكل من جميع شجر الجنة، ولكن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر لأنه يوم يأكل منها موتا يموت. لم يحذره مثلا من أن يسمع لكلام الشيطان، بل لم يخبره أصلا بأن هناك شيطان يريد أن يوقعه في الخطيئة. لم يقل له إن عليه أن يتأكد من مصدر كل طعام تعطيه له زوجته حواء. فماذا حدث؟ تقول يا سيدي بأسلوبك المسرحي إن الشيطان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت